وفشلهم وعداواتهم ، غير أنه للفارق بين التركيب النفسي للطفل والتركيب النفسي للبالغ ، فإن أحلام الأطفال تتسم بالمباشرة والبساطة والوضوح . وفي القصص اليهودي أن يوسف حلم وهو في الرابعة من عمره ، وكان نائما في حجر أحد إخوته . وكان ليوسف في الواقع - كإخوته - قضيب أو عصى صغيرة مثله ، يتوكأ عليها ويهش بها على الغنم ، ومن عادة الرعاة عندما يداهمهم النوم يغرسون العصى في الأرض إلى جانبهم وينامون ، ويوسف فعل مثلهم ونام ، فحلم أن عصاه غرسها إلى جانب عصىّ إخوته الأكبر منه ، فما لبثت عصاه أن استطالت ونمت حتى بلغ طولها أطوال عصى إخوته ، وتثبّتت في الأرض وصارت لها جذور تشعبت ، وغلظت حتى أزاحت عصى إخوته ، وانتصبت قائمة في شموخ ، فلما استيقظ ذكر لإخوته حلمه ، فقالوا : يوشك ابن راحيل أن يقول أنتم عبيدي وأنا سيدكم ! والحلم كما ترى رمزى ، ومضمونه التنافس بين الإخوة ، وخاصة أنهم إخوة غير أشقاء . وهو تعبير عن عجز يوسف وهو طفل وانعكاس لتصور يوسف العالي عن ذاته ، فهو يرى أنه سيتفوق على إخوته . والحلم من أحلام الطموح ، ويعبر عن رغبة في التفوق ، ورموز الحلم كلها من البيئة ، وتصور حقيقة العلاقة بين يوسف وإخوته ، ومردوده سرعان ما نجده في قصة إلقائهم له في البئر . وكذلك كان حلمه بالشمس والقمر والكواكب تسجد له ، فهو حلم لطفل تحتدم به الرغبات الطموحة ، وكأن ما يستشعره يوسف ولا يستطيع أن يفصح به لسانه مباشرة يجد التعبير عنه تعبيرا غير مباشر في الحلم الذي تفسيره ما قاله إخوته في الحلم الآخر « يوشك ابن راحيل أن يستعبدنا » . والحلمان معا من أحلام القدرة المطلقة . وقد صدق الحلمان لأن يوسف من الصدّيقين ، وفي الحديث عن الرسول صلى اللّه عليه وسلم برواية أبي هريرة وأخرجه البخاري قال : « فخياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا » ، والجاهلية قد تكون ما نعرف مما كان قبل الإسلام ، وقد تعنى أيضا الطفولة ، فخير الناس في طفولته هو أيضا خيرهم في رجولته . ويوسف كان من أتقى الناس ، ولذا قال فيه النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « فأكرم الناس يوسف نبىّ اللّه ، ابن نبىّ اللّه ، ابن خليل اللّه » أخرجه البخاري . ولمّا قصّ يوسف حلمه على أبيه قال له :
لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً
( 5 ) ( يوسف ) ، ولذا قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم : « إذا رأى أحدكم ما يجب فلا يحدّث به ، وإذا رأى ما يكره فليتحول إلى جنبه الآخر ، وليتفل عن يساره ثلاثا ، وليستعذ باللّه من شرّها ، ولا يحدّث بها أحدا فإنها لا تضرّه » ، وهو نفس المعنى في الحديث الآخر : « استعينوا على قضاء الحوائج بكتمانها ، فإن كل ذي نعمة محسود » ، والحديث : « الرؤيا على رجل طائر ما لم تعبّر ، فإن عبّرت وقعت » ، ولهذا جاء في الحديث : « لا يحدثن أحدكم بتلعّب الشيطان به في منامه »