رؤياه ، فالإنسان في الرؤيا كما هو في الواقع ، والكاذب في الواقع يتطرق الخلل في شخصيته إلى رؤياه ، وإلى سرده للرؤيا وتأويله لها جميعا . ولربما يكون المعنى أن صدق الرؤيا لا يتحقق للناس إلا في آخر الزمان عند انقطاع العلم ، وموت العلماء والصالحين ومن يستضاء بأقوالهم وأعمالهم ، فيجعل اللّه تعالى للمؤمن جابرا وعوضا ومنبّها له وهو الرؤيا . وقوله « ورؤيا المسلم جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة » ، وفي رواية : « جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة » ، وفي رواية : « رؤيا الرجل الصالح جزء من خمسة وأربعين جزءا من النبوة ، وفي رواية : « الرؤيا الصالحة جزء من سبعين جزءا من النبوة » ، وفي رواية : « من أربعين جزءا » ، وفي رواية : « من تسعة وأربعين » وقيل خمسين ، وستة وعشرين ، وأربعة وأربعين ، وهذا الاختلاف مقصود ، فهو اختلاف بحسب حال الرائي من الإيمان والصلاح . والرسول صلى اللّه عليه وسلم ظل يوحى إليه ثلاثا وعشرين سنة ، منها عشر سنين بالمدينة ، وثلاث عشرة بمكة ، وكان قبل ذلك ولمدة ستة أشهر يرى الوحي في المنام . وربما المراد أن ذلك ما كان معه صلى اللّه عليه وسلم خصيصا ، فكانت مناماته شبيهة بما كان يحصل له وحيا ، والفرق بين الرؤيا والوحي ، أن الرؤيا جزء من ستة وأربعين جزءا من الوحي . غير أنه من ناحية أخرى لم يثبت أن أمد الرؤيا قبل الوحي أو النبوة كان ستة أشهر ، وثبت أنه رأى بعد النبوة أو المبعث منامات كثيرة ، ولهذا تغيرت النسبة . وقيل هذا استنتاج باطل ، لأن كل مناماته صلى اللّه عليه وسلم إنما كان يوحى بها . والمراد برؤى النبوة أنها منامات فيها إخبار بالغيب ، وهو إحدى ثمرات النبوة ، ولكنه ليس في حدّ النبوة ، فليس شرطا أن يبعث اللّه نبيّا ويخبره بالغيب ، ولا يقدح ذلك في نبوته ولا يؤثر في مقصودها . وهذا الجزء من النبوة وهو الإخبار بالغيب إذا وقع لا يكون إلّا صدقا ، وبذلك يكون مضمون الحديث مقصورا على النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وفيه وصف لأحواله من النبوة والغيب والأحلام ، وبذلك يفرد اسم « الرؤيا » لأحلام الأنبياء دون غيرهم ، وكان وصفها بأنها « جزء من النبوة » فيما يتعلق بأحلام الأنبياء دون غيرهم ، والأنبياء بلا استثناء هذا دأبهم : يوحى إليهم في منامهم كما يوحى إليهم في يقظتهم ، وقال البعض لذلك أن الإسراء والمعراج كانا رؤيا ، والرؤيا تأتى على موافقة النبوة ، أي مقيّدة بها وفي حدودها ، وهي لذلك جزء من النبوة . وفي رواية لأبى هريرة أدرجت في الحديث : « . . . فيعجبنى القيد وأكره الغلّ ، والقيد ثبات في الدين » أو قال :
« وأحب القيد ، وأكره الغلّ » ، وحبّه للقيد في الأحلام لأن القيد يكون في الأرجل يكفّها عن المعاصي والشرور ، بينما الغلّ موضعه العنق ، وهو صفة أهل النار ، واللّه تعالى يقول :
إِنَّا جَعَلْنا فِي أَعْناقِهِمْ أَغْلالًا
( 8 ) ( يس ) ، وقال :
إِذِ الْأَغْلالُ فِي أَعْناقِهِمْ
( 71 ) ( غافر ) . وتأويل