تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1741

مساهمون:

ص١٧٤١
جسمه عن الأرض الساخنة ، ويحميه الكلكل تحت صدره ، والوسائد على مفاصل أرجله من حرارة الرمل وخشونته إذا برك ، وبوسعه أن يغلق عينيه ومنخريه ، ويلصق ذيله بجسمه ، ويسير كالدبابة لا يبالي الرياح الذاريات ، ومن أجل ذلك أطلقوا على الإبل أنها « سفن الصحراء » ، ويسمح لها طول أعناقها أن تقتات من نبات الأرض وفروع الشجر العالية ، وتمكّنها شفتاها المتحركتان والقابضتان ، وانشقاق شفتها العليا ، من لمملمة الأوراق من بين الأشواك ، وتساعدها أخفافها على السير فوق الرمل الناعم من غير أن تغوص أرجلها فيه ، ولا تتلف بها التربة كحوافر الماعز والبقر . وأعجب ما في الإبل صبرها على العطش أكثر من أسبوعين في الصيف ، وأكثر من شهرين في الشتاء ، وبوسع الجمل أن يقطع ألف كيلومتر دون أن يشرب ، وإذا طال حرمانه من الماء فإن عملياته الفسيولوجية والمناخ من حوله قد يفقدان من المياه في جسمه ما يعادل نحو ثلث وزنه ، ومع ذلك يستمر صامدا ، وهو شئ خارق ومذهل معا ! ولذلك فإنه إن وجد الماء ظل يشرب منه كمية هائلة في زمن قصير ، حتى أنه لينتهى من شرب مائتي لتر من الماء في ثلاث دقائق ! وصدق اللّه تعالى وهو يصف شرب الناس في الجحيم فيقول :
فَشارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ ( 54 ) فَشارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ
( 55 ) ( الواقع ) ، والهيم والهيام ( بالكسر ) هي الإبل العطاش . وأعجب ما في الإبل قلّة عرقها إلى أدنى حدّ ، لأن كبر حجم الجسم يقلل من حرارته ، ووجود الدهن في السنام ، يرقّق الجلد ويسهم بتبدّد حرارة الجسم في الليل ، وفي الصيف يسقط الوبر ولا يبقى منه إلا ما يحمى الجسم من الحرارة الأسخن ، وللعرق بالتبخر ، وتبخّره في الإبل من الجلد لا من أطراف الشعر كالثدييات ، وذلك أجدى لها ، فإذا اشتد الحر زاد العرق لتبريد الجسم ، ولا تعمل أجهزة ضبط حرارة الجسم في الإبل طالما الحرارة لا تزيد عن 41 درجة مئوية ، فإذا زادت دفعت غدد العرق إلى العمل لتتوازن حرارة الجسم . والماء الذي يسحبه البعير عند اشتداد درجة الحرارة يسحبه من أنسجة الجسم وليس من الدم ، وبذلك يظل الدم سائلا في العروق في دورته المعتادة ، فينجو البعير من ضربة الشمس ومن الموت عطشا . ومن أجل ذلك لمّا حدث الجفاف في إفريقيا الشرقية عامي 1984 و 1985 هلكت القبائل التي تعيش على الأبقار ، لأن الأبقار نفقت ولم تقو على العطش ، وعاشت الإبل لأنها استطاعت أن تصمد الشهور الطوال ، وكانت تجود مع ذلك بألبانها ، ولم يقتل الجفاف القبائل التي تعيش على تربية الإبل . ومن هذا يتبين سرّ تنبيه اللّه تعالى إلى الإعجاز في الإبل ، ولما ذا جعل الناقة معجزة النبىّ صالح ، وكانت تكفى قومه كلهم وتعيشهم ، واشتهرت لهذا أيضا ناقة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم « القصواء » كما لم يشتهر حيوان لنبىّ أو لواحد من المشاهير ، ولهذا فإن الناس لمّا نزلت الآية الكريمة تلفت النظر إلى