تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1709

مساهمون:

ص١٧٠٩
فلا يكون مكان ولا زمان ، ولا مادة ولا طاقة ، ولا شئ إلا العدم ، ويسمى القرآن ذلك « الرتق » ، كما في قوله تعالى :
أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما
( الأنبياء 30 ) ، والرتق : يعنى أن تكون كل الأشياء جسما واحدا ، وضده « الفتق » : وهو أن تنفصل الأشياء عن بعضها . وفي مرحلة الرتق تكون المادة والطاقة وكل شئ مؤتلفة في شئ واحد ، أو جرم ابتدائي متناه في الكثافة والحرارة ، ففتقه اللّه تعالى ، والفتق يسمونه في العلم الحديث « الانفجار الكبير
The Big Bang
» ، وذلك أن تكدّس المادة والطاقة من شأنه أن يحدث تضاغطا هائلا فيكون الانفجار ، فيتحول كل شئ دخانا ، وما تزال لهذا الدخان الكوني الأول بقايا عالقة على أطراف الجزء المدرك من الكون ، وعلى أبعاد تصل إلى عشرة مليارات من السنين الضوئية ، لتثبت صدق القرآن ودقة مصطلح الدخان الذي استخدمه تعبيرا عن هذه الحالة . وبانفجار هذه النقطة ، أو هذا الجرم الصغير المتناهى في الصغر لدرجة العدم ، تحول إلى كرة من الإشعاع والجسيمات الأولية أخذت تتمدد نتيجة الحرارة الشديدة ، ولكنها تبرد بسرعة هائلة أيضا ومن ثم تحولت إلى هذا الدخان الذي يتركب من فوتونات
Photones
، وإلكترونات ، ونيوترينوات
Neutrinos
، وأضداد لها مع بروتونات ونيوترونات
Neutrons
، ولولا عملية تمدّد الكون وتوسّعه ، لأفنت الجسيمات الأولية وأضدادها بعضها بعضا وانتهى الكون ، ولكنه حفظ بحفظ اللّه ، واستمر في التمدّد ، وانخفاض درجة حرارته حتى ألف مليون درجة مطلقة ، فاتّحدت النيوترونات والبروتونات ، وكوّنت الإيدروجين والهليوم وعناصر أخرى ، ومع انخفاض درجة الحرارة إلى آلاف قليلة ، بدأت ذرات العناصر في التكوّن والتجمّع ، وتكدس الدخان الكوني على هيئة سدم كونية هائلة ، تكثّفت على ذاتها بفعل الجاذبية والدوران حول نفسها بسرعات متزايدة تدريجيا ، جعلت الغازات تتجمع في كتل وتتضاغط ، فتزيد حرارتها ، فبدأت الاندماجات النووية للإيدروجين والهيليوم ، فتكونت النجوم ، واستمرت الاندماجات النووية فيها فتخلّقت العناصر الأعلى في وزنها الذرّى ، مثل الكربون ، والأوكسجين وما يليهما ، إلى أن تحول لبّ بعض النجوم بالكامل إلى الحديد ، وتحوّل بعضها الآخر من نجوم مستعرة إلى فوق مستعرة ، انفجرت لتتكون مما تناثر منها من عناصر ثقيلة ، الكواكب والكويكبات ، وشمسنا هذه . وعلى الرغم من الانفجارات في الكون وعدم التجانس فيه ، فإنه يبدو لنا من الأرض متجانسا ، وتحدّه خلفية إشعاعية متساوية ، ولم يصل التوسع به إلى الحدّ الحرج الذي يمكن أن يؤدى إلى انهياره على ذاته ، الأمر الذي يثبت أنه محكم البناء ، ومضبوط بقوانين بالغة الإحكام ، وهذا ما تقصد إليه الآية من قوله تعالى :
فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا