تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2300

مساهمون:

ص٢٣٠٠
أَرَدْنا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْناها تَدْمِيراً
( 16 ) ( الإسراء ) ، يعنى هلاك الأمم إنما بمترفيها ، وهم الفسّاق في كل شعب ، والظالمون به ، والسماح لهؤلاء بأن يتلقفوا سدّة الحكم ، وأن تكون بأيديهم مقاليد الدولة ، هو إعمال لدمار الدولة بإرادة الشعب ، لأنه الذي انتخبهم ، أو لأنه لم يعترض عليهم ، فسبّب الأسباب وساقها إلى غاياتها ليحق على الشعب الوعيد . والمترفون يشكّلون الطبقة الغنية في كل شعب ، وهم شراره ، وتأميرهم على الشعب هو أن يصبحوا فيه أمراء ، أي حاكمين مسلّطين ، وفي قراءة أخرى للآية : « أمّرنا مترفيها » يعنى أكثرناهم في الدولة فصارت لهم السلطة ، وفي قراءة أخرى للآية : « أمرنا مترفيها » يعنى مكّناهم أن يملكوا ثروة البلد ويقبضوا على زمام الحكم فيه ، وما فاز شعب كان الحكم فيه للمترفين ، وهم المسرفون ، جباة المال ، وفارضو الضرائب ، وأصحاب القوانين الجائرة ، وفي معنى ذلك قول القائل في الآية : إذا أراد اللّه أن يهلك أمة أو دولة ، غضبا منه تعالى على أهلها ، مكّن لأكابر مجرميها فمكروا فيها ، فحقّ عليها الوعيد ، كقوله تعالى :
وَكَذلِكَ جَعَلْنا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكابِرَ مُجْرِمِيها لِيَمْكُرُوا فِيها
( الأنعام 123 ) . وتدميرها هو استئصالها بالهلاك ، وفي رواية لزينب بنت جحش : أن الرسول صلى اللّه عليه وسلم خرج يوما فزعا محمر الوجه ، يقول : « لا إله إلا اللّه ، ويل للعرب من شرّ قد اقترب » ، قالت له : يا رسول اللّه ، أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : « نعم ، إذا كثر الخبث » ، والخبث هو فساد الحكم ، وظهور طبقة المستغلين دعاة الإلحاد والإباحية ، وبظهورهم تظهر المعاصي ، فإذا لم يرفضها الشعب ويغيّرها ، كانت مدعاة لهلاك الجميع ، الطالحين والصالحين على السواء . والترف - يعنى الاشتغال بالمال واللذات ، يقول تعالى :
وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ما أُتْرِفُوا فِيهِ وَكانُوا مُجْرِمِينَ
( 116 ) ( هود ) ، فالترف يؤدى إلى ارتكاب المظالم ، وما ظلم الظالمون إلا لأنهم يريدون المال ليترفوا ، فلما آل المال إليهم ارتكبوا الجرائم فصاروا مجرمين . والمترفون دائما وأبدا مع الباطل ضد الحق ، ومع الشرّ ضد الخير ، ومع الكفر ضد الدين ، ومع الشيطان ضد اللّه ، وحزبهم هو حزب الشيطان ، وهم طغمة من الطغاة ، وما كان نبىّ ولا مصلح ، ولا داعية حق أو خير أو إصلاح ، إلا خرج المترفون ضده ، وألغوا فيه ، يقول تعالى :
وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْناهُمْ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ( 33 ) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَراً مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ
( 34 ) ( المؤمنين ) ، فانظر إلى منطقهم المغلوط ومذهبهم المادي الخائب ، وتأمل احتفالهم بالأكل والشرب كالبهائم ، فما أن يحلّ بهم عذاب الدنيا إذا هم
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2300 | عبد المنعم الحفني