تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2303

مساهمون:

ص٢٣٠٣
أو للمحاجاة ، وهي الحوار أساسه المواجهة والمساءلة والمجاوبة والمناقشة والبحث لمعرفة الحق وإحقاقه . وقد أخطأ المفسّرون إذ جعلوا معنى الحواريين أنهم كانوا يشتغلون بالحوارة أي القصارة ، أي تبييض الثياب ، وقال الصوفية هم الحواريون لأنهم بيّضوا قلوبهم ونفوسهم وطهّروهما عن كل دنس ! والصواب أنهم أصحاب الحوار مع المسيح ، وهو مفهوم القرآن عنهم ، وهنتنجتون الذي قال بصراع الحضارات أوحت إليه الفكرة قراءاته في التوراة ، فالصراع بين الحضارات وبين الأمم والطبقات هو مذهب التوراة ، ولذلك قال بالصراع اثنان من أشهر اليهود : « فرويد ، وماركس » ، والأول في مجالي النفس والاجتماع ، والثاني في مجالي الاقتصاد والحضارة ؛ وبتأثير تعاليم التوراة قال « دارون » المسيحي بالصراع للبقاء متابعا « بولس الرسول » - وكان يهوديا قبل أن يتنصّر ؛ واستمد فوكوياما نظريته في نهاية التاريخ من نبوءة ملاخى في العهد القديم ، ومن رؤيا يوحنا في العهد الجديد ، وقوامها الصراع الحضارى ، فالثقافة اليهودية النصرانية الأوروبية لحمتها وسداها إذن القول بالصراع ؛ وأمّا الثقافة الإسلامية القرآنية ، وثقافة أهل السنة ، فقوامها الحوار بين الحضارات والتعاون بين الشعوب والأفراد ، وفي القرآن :
وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ
( 13 ) ( الحجرات ) ، والتعارف أساسه التعاون الحضارى والاجتماعي والطبقي ، والأفضل هو الأتقى ، والمتّقون وصفهم فقال :
فَاسْتَبَقُوا الصِّراطَ
( 66 ) ( يس ) ، وقال :
فَاسْتَبِقُوا الْخَيْراتِ
( 148 ) ( البقرة ) ؛ وهذه إذن نظرية الأجناس في القرآن : أنه تعالى خلق الأبيض والأسود والأحمر والأصفر ، للتعارف والتعاون والتلاقح الحضارى والتثاقف ، وذلك هو طريق إعمار الأرض ، بينما هذه النظرية في التوراة أساسها الاستكبار العنصري ، والاستقواء والغزو ، وحرق الأرض ، وتدمير الأخضر ، وقتل الحياة . وفي الإنجيل أن المسيح استعلى على الكنعانية ولم يشف ولدها بدعوى أنها كنعانية من قوم كالخنازير ، ولولا حجاج بطرس لمّا عاب عليه انصرافه عنها ، وذكّره بأن إيمانها يشفع لها ، لما شفى لها ولدها ، وكانت حجة المسيح أنه لم يبعث إلا لخراف إسرائيل الضالة ، ففرّق بين الأمم ، وفاضل بينها على أساس أجناسى وليس بمعيار التقوى ، أي البرّ كما جاء في القرآن . وفي التوراة أن سام وذريته هم الأرفع شأنا ، واليهود على رأسهم ، وأن الشعوب دون سلالة سام هي الأدنى منزلة ، وتخدم اليهود ، فهذا هو قدرها وقدرهم ، فالثقافة العبرانية الأوروبية قوامها الحتمية التاريخية والفيزيائية ، والثقافة العربية الإسلامية قوامها الفكر المنفتح ، والمجتمع غير المغلق ، والاختيار الحر ، والمسؤولية ، والتطور إلى الأحسن ، والقول بالعالمية ؛ والربّ في اليهودية هو ربّ بني إسرائيل ، وفي النصرانية هو المسيح ، وأتباعه هم المسيحيون ، كما أن اليهود أولاد يهوذا ، والإسرائيليين بنو إسرائيل ؛ وفي القرآن الربّ هو ربّ العالمين ، أي ربّ جميع الناس ، والمسلمون هم الذين أسلموا أمرهم له . فيا أيها المسلمون ، أرأيتم ما أنتم فيه من خير ، وما أوتيتم من رحمة ، وما أصدقتم من بيّنة ؟ ! وللّه الحمد والمنّة !
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2303 | عبد المنعم الحفني