تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 2302

مساهمون:

ص٢٣٠٢
بمعنى فضّل بعضهم على بعض ، فكأن استخدام مصطلح الدرجة به معنى المفاضلة ، بينما استخدام مصطلح الطبقة هو استخدام توصيفى ، ومن ذلك قوله تعالى :
يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجاتٍ
( 11 ) ( المجادلة ) ، أي يرفعهم في الثواب في الآخرة ، وفي الكرامة في الدنيا ، ويرفع المؤمن العالم والطالب للحق على المؤمن العامي المفرّط في الحق ، ويرفع المؤمنين الذين أوتوا العلم على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم ، وفي الحديث : « فضل العالم العابد مائة درجة » . وهذه المفاضلة من الفضل وهو التقوى والبرّ ، والقرآن يأمر بالتعاون في البرّ ، وليس التعادى والتصارع ، وفلسفة القرآن هي التعاون بين مختلف فئات الأمة ، وطبقات المجتمع ، كقوله :
وَتَعاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوى وَلا تَعاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ
( 2 ) ( المائدة ) ، والكلام في الآية مقطوع من أوله ، فهو أمر لجميع الخلق بالتعاون في الخير ، والتحاثّ على ما يزيده ، والنهى عمّا يعارضه ، وفي الحديث : « الدال على الخير كفاعله » ، وأيضا « الدال على الشرّ كصانعه » ، فكأن شعار القرآن : التعاون الطبقي
class co - operation
، وليس الصراع الطبقي
class struggle
الذي تقول به الاشتراكية العلمية ، والحوار والجدل هما منهج التعاون ، ولذلك كانا منهج القرآن ، وليس الصراع
strife
إذن هو منهج القرآن . والقرآن يسمى « الرسل » النصارى « حواريين » ، كقوله تعالى :
قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ
( آل عمران 52 ) ، وفي الإغريقية هم « رسل » ، ومفردها « رسول
apostolos
» ، وهم في اللاتينية
discipuli
أي رسل ، واسم « الحواريين » ينفرد به القرآن ، من الحوار : وهو السؤال والجواب ، فمنهج المسيح في رؤية القرآن ، كان التعليم من خلال الحوار ، والحوار فيه إقرار بالأنت أو الآخر في مقابل الأنا ، على عكس الإملاء
dictation
، وهو الأمر يصدر عن المملى للتنفيذ ، ومنها الكلمة الإفرنجية
dictator
، أي الطاغية أو الديكتاتور الذي دأبه إصدار الأوامر وعدم الاعتراف بالأنت أو الآخر ، فلا وجود إلا لأنا الديكتاتور ، وهو أنا متضخّم يشغل المساحة كلها بما فيها المساحة التي كان ينبغي أن تكون للأنت أو الآخر . فانظر إلى طريقة القرآن في إطلاق الأسماء ، حيث يجعل الحواريين من الحوار ، في حين أنهم عند النصارى مجرد أتباع المسيح أو تلاميذه المتلقين عنه ! والذي يعنى القرآن هو هذا الحوار ، وفي القرآن هناك سورة تسمى « سورة المجادلة » ( السورة 58 ) ، يأتي في بدايتها :
قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما
( المجادلة 1 ) ، والمجادلة امرأة عرضت على الرسول صلى اللّه عليه وسلم مشكلتها وحاورته وجادلته فيها ، فسكت ، فلما عاودت كلامها قال لها « ما أوحى إلىّ في هذا شئ » ، فقالت : أوحى إليك في كل شئ وطوى عنك هذا ؟ ! قال : « هو ما قلت » قالت : إلى اللّه إذن أشكو لا إلى رسوله ! والمجادلة بالفتح هي المساءلة للتعلم