بقعة معينة ، لأن الناس يتعارفون بها . وفي القرآن يأتي ذكر عرفات مرة واحدة :
فَإِذا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفاتٍ
( 198 ) ( البقرة ) ، والخطاب للجمع ، لأن الناس كانوا يجتمعون بعرفات يوم عرفة ، وقد أتوا من أماكن بعيدة وبعد مشقة أسفار ، فيتعارفون وهم الأغراب ، فسمى يوم اجتماعهم « عرفة » ، وسمّى الموضع « عرفات » . والصحيح أن الاسم مرتجل من زمن الجاهلية ؛ وعند المسلمين عرفات من العرف وهو الطيب ( بكسر الطاء ) ، كقوله تعالى :
عَرَّفَها لَهُمْ
( 6 ) ( محمد ) أي طيّبها ، فهي مطيّبة ، بخلاف منى التي فيها الفروث والدماء ( بقايا الذبح ) ، فذلك سبب تسميتها « عرفات » ، وتسمية يوم الوقوف « يوم عرفة » . وقيل :
إن أصل الاسمين من الصبر ، يقال رجل عارف أي صابر خاشع ، وفي المثل : النّفس عروف ، أي صبور ، وما حمّلتها تتحمل ، فسمى المكان بهذا الاسم لأن الناس فيه يخضعون ويتذللون ويصبرون على الدعاء والبلاء ، ويحتملون الشدائد من أجل أن يقيموا الشعائر . والحج هو هذه الإفاضة من عرفات ، يستوى فيها أن تفيض ليلا أو نهارا ، وفي الحديث : « من صلّى معنا ( أي مع المسلمين ) صلاة الغداة بجمع ، وقد أتى عرفات قبل ذلك ليلا أو نهارا ، فقد قضى تفثه وتمّ حجّه » أخرجه أبو داود والنسائي والترمذي ، وفي الحديث : « الحج عرفات » - قالها ثلاثا - « فمن أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك » . والوقوف بعرفة ركن لا يتم الحج إلا به ، والمستحب أن يقف فيها عند الصخرات وجبل الرحمة . ويستقبل القبلة ، كما يستحب أن يغتسل الحاج للوقوف . ووقت الوقوف : من الزوال يوم عرفة إلى طلوع الفجر الثاني من يوم النحر ، لأن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وقف في حجة الوداع بعد أن صلى الظهر إلى أن غربت الشمس ، وقال : « لتأخذوا عنى مناسككم » . وتكون الإفاضة على مهل ، لأن في استعجال السير إلى المزدلفة استعجال الصلاة بها ، ولا يصلّى المغرب تلك الليلة إلا مع العشاء بالمزدلفة . والمستحب للحاج أن يخرج إلى الموقف من منى إذا طلعت الشمس يوم عرفة ، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، فيقيم بنمرة - وهو اسم الموضع الذي عليه أنصاب الحرم بعرفات ، وفيه الآن المسجد المعروف ، وإن شاء يقيم بعرفة حتى تزول الشمس . وفي الحديث : « عرفة كلها موقف » . وكانوا في الماضي يفضلون الوقوف بها راكبين لا قائمين ، ولا بأس الآن أن يستريح من وقف قائما ، وقيل : الواقف أفضل من الراكب . ويستحب له يوم عرفة الإكثار من ذكر اللّه ، والدعاء بما يحب أو بالمأثور ، كأن يقول : « لا إله إلا اللّه وحده ، لا شريك له ، له الملك وله الحمد ، يحيى ويميت ، وهو على كل شئ قدير » . ويجب عليه الوقوف إلى غروب الشمس . ووقت الغروب - كما سبق - من طلوع فجر يوم عرفة أو من الزوال ، إلى طلوع الفجر يوم النحر . فمن أدرك عرفة في شئ من هذا الوقت - وهو عاقل - فقد تمّ حجّه . وقيل : أول وقته تأكيدا زوال الشمس من يوم عرفة ، ولو وقف بعرفة نهارا وجب