العذاب ، فلمّا مات صالح سمّوا المكان « حضر موت » ، لأن صالحا مات فيه ، وحفروا بئرا حيث مات ، وبنوا عليها ، وأمّروا على حضر موت أحدهم ، قيل : هو العلس أو الجهلس ابن جلاس بن سويد ، وجعلوا له وزيرا هو سنحاريب بن سوادة ، وكانت البئر تسقى المدينة كلها وباديتها ، وكانت لها بكرات منصوبة ، ورجال موكلون بها ، وأبازن من رخام - وهي شبه الحياض ، بعضها للناس ، وبعضها للدواب . وتقدم الملك في السن فكان يطلى وجهه ليظنوه ما يزال شابا ، فلما مات ، صنع أتباعه صنما يشبهه ، وجعلوا يتكلمون للناس من وراء الصنم كأنهم هو ، وادّعوا أن الملك لم يمت ولا يموت ، والناس بين مصدّق ومكذّب ، وكلما تكلم ناصح زجروه وقهروه ، فبعث اللّه إليهم نبيّا كان الوحي ينزل عليه في النوم دون اليقظة ، قيل : كان اسمه حنظلة بن صفوان ، فأعلمهم أن الصنم لا روح فيه ، وأن ذلك كيد النهّازين والمحتالين من أصحاب المصلحة ، وحذّرهم سطوة ربّهم ونقمته ، فآذوه وعادوه ، وهو يتعهدهم بالموعظة ، حتى قتلوه في السوق ، فعند ذلك أصابتهم نقمة ، فباتوا شباعا رواء من الماء ، وأصبحوا والبئر قد غار ماؤها وتعطّل رشاؤها ، فصاحوا بأجمعهم ، وصرخ النساء والولدان ، وضجّت البهائم عطشا ، وعمّ الموت الجميع وشملهم الهلاك ، وخلفتهم في أرضهم السباع والضباع ، وتبدّلت جنّاتهم وأموالهم بالسّدر والشوك ، فلا تسمع فيها إلا عويل الرياح ، وعواء الذئاب .
وقيل : فأما القصر المشيد ، فقصر بناه شدّاد بن عاد بن إرم ، لم يبن في الأرض مثله فيما زعموا ، وأصبح حاله كحال هذه البئر في إيحاشه بعد الأنس ، وإقفاره بعد العمران ، فذكرهما اللّه في هذه الآية موعظة وعبرة وتذكرة .
* * *
قصة إبراهيم في القرآن
736 . معنى الاسم : إبراهيم
تقول التوراة : كان اسم إبراهيم : أبرام وصار إبراهيم ، ومعنى هذا الاسم : « الأب الكبير » ، وبالسريانية « الأب الرحيم » وقيل : أصله « أبو رهام » ( تكوين 17 / 5 ) أي : « أبو الجمهور ، ويساوى عندنا قولنا :
إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً
( النحل 120 ) ، يعنى تجتمع فيه الفروع ، وينحدر من صلبه الكثيرون ، ولذا يقال عنه الأب الكبير
Patriarch
، لأنه كان يحب أن تكون له أمة ، وأن يكثر أهله ، وكان يشملهم برحمته ، ويتسع لهم قلبه ، وربى أولاده فأحسن تربيتهم ، وتعهد أحفاده وعلّمهم علم الدنيا والآخرة ، فكان منهم الأنبياء ، فقيل عن إبراهيم إنه « أبو الأنبياء » ، ولو قلنا : إن آدم هو أبو البشر ، ونوحا هو أبو المؤمنين ،