تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 834

مساهمون:

ص٨٣٤
ولم يرد اسم الإنسان الأول في التوراة إلا بمناسبة أسماء المخلوقات ، في العبارة 19 من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وجاء أنه آدم ، ويبدو أنه اشتكى من العمل الكثير ، وأبدى السأم من الوحدة ، فأوقع اللّه به النوم ، واستل أحد أضلاعه وسدّ مكانه باللحم ، ومن هذا الضلع استنسخ حواء وأتى بها آدم ، فلما عرف أنها من ضلعه سمّاها امرأة ، لأنها مأخوذة من امرئه ، ولزمها أنها من جسده ، ولهذا يترك الرجل أباه وأمه ويلزم امرأته فيصيران جسدا واحدا . فهذه قصة الخلق كما وردت بالتوراة ، وتلتها قصة الخروج من جنّة عدن ، ليشقى آدم وامرأته في الأرض . فما ذا يأتي من ذلك في الأناجيل ؟ لا شئ البتة ، فالأناجيل شغلها الشاغل أن تروى عن المسيح وأعماله ، وأن تمجّده وتغرس دعوته في النفوس وتشرب بها العقول . ولم يكن إعطاؤها اسم المسيحية من فراغ ، لأنها الديانة التي مدارها المسيح ، فكل ما يتعلق بالمسيح ترويه الأناجيل ، والكلام فيها ليس عن اللّه وإنما عن المسيح ، والدعوة فيها ليست للّه وإنما الدعوة للمسيح ، ولتأليه المسيح ، وعبادة المسيح . والتوراة فيها من ذلك بطريقة أخرى ، فمدارها اليهود ، وتاريخهم ، وما جرى لهم ، وما جرى منهم ، وما قالوه وفعلوه ، واعتقاداتهم ، ومركز هذه الاعتقادات تأليه الشعب اليهودي ، واليهود جعلوه شعبا مختارا ، وقالوا : إنه شعب اللّه ، والنصارى قلبوا كل تعاليم اليهود ونقضوها ، ولم يؤلّهوا الشعب كاليهود ، ولكنهم ألهّوا واحدا منه أعطوه اسم المسيح أو يسوع ، وبدلا من مقولة شعب اللّه قالوا : ابن اللّه ، واعتمدوا على رواية التوراة في قصة الخلق أو التكوين ، بدعوى أنهم يكملون اليهودية ، ويصلحون ما أفسده اليهود منها وما حرّفوه . والإسلام أورد عن قصة الخلق ، واليهود يدّعون أن محمدا صلى اللّه عليه وسلم لم يفعل إلا أن سرق روايتهم في الخلق وجعلها قرآنا ! وذلك كذب وبهتان ، لأن هذه القصة في التوراة لم تأت إلا كمقدمة لمجيء اليهود ، وهي في القرآن لإثبات وحدانية اللّه ، وأنه ينفرد بالخلق ، وأن الخلق من أفعاله ، فهو الخالق ، والمبدع ، ولو كان في الوجود إله غيره لعلا أحدهما على الآخر ، ولاختلفا ، وهذا غير وارد بالكلية في التوراة . وظل القرآن يردد عن قصة الخلق في سورة بعد سورة ، وآيات بعد آيات ، ليثبت بالبرهان القاطع ، والحجّة الدامغة : أن اللّه واحد لا شريك له ، وأنه قد خلق الإنسان ليعبده ، وعبادته سبحانه بالعمل الصالح ، يقلّده فيه ، ويتواصل به معه ، ويذكره به ، ويتّقيه من خلاله . ثم إن الخلق في التوراة لم يؤسس على مبادئ علمية كما يدّعى عزرا الكاتب مؤلّف التوراة في عبارته الرابعة من الفصل الثامن من سفر التكوين ، وكانت كتابته للتوراة بدءا