تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 819

مساهمون:

ص٨١٩
والخسران : هو الذي يفضّل العاجلة على الآجلة ، وليس صحيحا أن القسم في السورة بصلاة العصر ، كقسمه تعالى بالضحى ، وبالفجر ، فالسياق العام لا يتفق مع هذا التفسير ، وإنما القسم بالزمان ، لأن وجود الإنسان في العالم وجود زماني ، ووجوده تعالى لا زماني ، ولا يجرى الزمان عليه ولا يتعين وجوده به . والزمان هو أخطر وأهم ما في وجود الإنسان ، فالإنسان يعيش في الزمان ، والزمان يطبق عليه ، ولا يوجد الإنسان بدون الزمان ، ولذلك يقسم اللّه تعالى به . والسورة من الإعجاز الفلسفي والنفسي للقرآن ، لأن الزمانية فيها ليست مجرد ماض وحاضر ومستقبل ، وليست زمانية ستاتيكية ، لأن الزمان في السورة سيّال ، ومجراه مستمر ، وزمانيته ديناميكية ، وشعورنا بالزمان الذي يجرى هو ما أسميه الزمانية النفسية ، ودليلها الاستثناء في السورة من الخسران بأربعة أشياء : بالإيمان ؛ والعمل الصالح ؛ والتواصى بالحق ؛ والتواصى بالصبر ؛ فنجاة الإنسان تكون بأن يعيش الزمان لا كميا وإنما نفسيا . بالإيمان والعمل الصالح ، يكمّل بهما نفسه ، وينصح الغير بطلب الحقّ والصبر عليه ، فيكون قد جمع بين حقّ اللّه وحقّ العباد ، وهذه هي الزمانية المعاشة كأعمق ما يمكن أن تعاش ، وهي زمانية المؤمن ، وهي زمانية سرمدية ، فمن يريد ألا يخسر الزمان ، وأن يحياه عن حق ، فليؤمن . * * *

686 . سورة الهمزة

السورة مكية ، وترتيبها في التنزيل الثانية والثلاثون ، وترتيبها في المصحف الرابعة بعد المائة ، وآياتها تسع ، وكان نزولها بعد سورة القيامة ، وموضوعها أخلاقي : يتناول المشّائين بالنميمة ، وفي الحديث : « شرار عباد اللّه : المشّاءون بالنميمة ، المفسدون بين الأحبّة ، الباغون للبرآء العيّب » ، والهمزة : الذي يغتابك من ورائك ؛ واللّمزة : الذي يغتابك في وجهك ، كقول القائل :
تدلى بودّى إذا لاقيتنى كذبا * وإن أغيب فأنت الهامز اللّمزة
وقيل : السورة نزلت في الأخنس بن شريق وكان يلمز الناس ويعيبهم ، ولكنها مرسلة على العموم من غير تخصيص ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . وتذمّ السورة الذين همّهم الأكبر في الحياة جمع المال وتكديسه ، يحسبون أنهم بالمال سيخلّدون في الدنيا ، وتختم السورة بتحذيرهم وتوعّدهم بأقسى النار عذابا ، وهي الحطمة : التي تحطم من يلقى فيها ، وتكسر عظامه ، وتحرقه فيكون حرقه كالفرقعات ، فيه تهشيم وتحطيم وتكسير ، ولا يستطيع الإفلات منها ، لأنها تحيط به ، وتحبسه داخلها ، وتربطه إلى