تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 817

مساهمون:

ص٨١٧
في القرآن ذكر المقابر إلا في هذه السورة . وسياق السورة يزهّد في زيارة القبور فلا شئ فيها إلا التراب ، وأما الأحباب فعند اللّه ، فما كان من تراب فمآله للتراب ، وما كان من اللّه فإليه يعود ، والثياب إذا بليت ألقى بها ، فكذلك الأجساد ، وذلك دليل على أن الإنسان روح وليس جسدا . فإذا كانت زيارة القبور للاتّعاظ والاعتبار ، ولوجه اللّه تعالى ، وإصلاح فساد القلب ، فذلك أليق وأنسب ، ومن يرد علاج قلبه من القساوة ، فعليه أن يكثر من التفكّر في الموت ، والتفكير فيه يميّز الإنسان عن سائر الموجودات ، وكذلك مشاهد المحتضرين ، وعيادة المرضى في مرض الموت ، والسير في الجنازات ، وزيارة القبور ، فهذه أربعة أمور تؤتى كعلاج نفسي ديني . وليس كذكر الموت تنبيه للغافل بما إليه المصير ، وليس كمشاهدة المحتضرين مدعاة للتفكير ، وليس كزيارة القبور موعظة للقلب اللاهي ، والخبر ليس كالمشاهدة والمعاينة . والتكرار في قوله تعالى :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ( 3 ) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
( 4 ) : في الأولى يتأتى العلم عند معاينة الموت ، وفي الثانية يتأتى العلم عند البعث ؛ وقيل : في الأولى يتأتى عند انتزاع الروح ، وفي الثانية عند دخول القبر وسؤال منكر ونكير ؛ وقيل : إن علىّ بن أبي طالب قال : كنا نشك في عذاب القبر حتى نزلت هذه السورة - يشير إلى قوله تعالى :
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
يعنى في القبور ، والحديث مشكوك فيه ، لأن السورة مكية ! ووقتها لم يكن علىّ قد أدرك بعد ، وإنما متعلق القسم في السورة بما بعدها :
لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ( 6 ) ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ
( 7 ) ، والخطاب للكفار الذين وجبت لهم النار . فلما نزلت :
لَتُسْئَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ
( 8 ) قيل إن أبا بكر سأل الرسول صلى اللّه عليه وسلم عن أكلة أكلوها معا ، وكانت مجرد تمر وماء ، هل هي من النعيم الذي يسألون عنه ؟ فأجاب : « ذلك للكفار » ، ثم قرأ :
وَهَلْ نُجازِي إِلَّا الْكَفُورَ
( 17 ) ( سبأ ) ، يعنى : لن يسأل عن النعيم إلا أهل النار ، فلمّا كفروا يسألون عن كل شئ كان من النعيم حتى الماء والهواء ! وهؤلاء يرون الجحيم مرتين : مرة بعين قلوبهم تصوّرا وتخيّلا ، ومرّة بعين رؤوسهم مشاهدة ومعاينة ، فما كان « علم يقين » يصير « عين يقين » . والنعيم المسؤول عنه في السورة : يتراوح بين الضروريات والكماليات ، فعن أبي هريرة أن الناس تساءلوا : أي نعيم نسأل عنه ؟ فإنما هما الأسودان : التمر والماء ، يعنى ما كان إلا شظف العيش ، فقال الرسول : « إن ذلك سيكون » ، يعنى حتى الأسودان تسألون عنهما ، أو يسأل عنهما كل جاحد كافر بأنعم اللّه ، وأما المؤمن فهو مقرّ بنعم اللّه وشاكر حامد عليها ، ويتحدّث بها دوما ثناء على اللّه . ومضمون سورة التكاثر : أن النعيم هو نعيم المتكاثرين المتباهين المترفين ، وفي القرآن أن الإنسان لا يسأل يوم القيامة عمّا كان يسد به جوعه ، ويروى عطشه ، ويستر عورته ، ويحتمى