تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 761

مساهمون:

ص٧٦١
إنسان إنسانا آخر ، وهو ما يسمى عند علماء الهوية علم بصمة الإبهام . وفي السورة تتكرر لفظة « الإنسان » خمس مرات ، وهو اسم جنس بمعنى ابن آدم ، كما نقول في الإنجليزية
Man
أو في الفرنسية
L'Homme
، والتكرير للّفظة من الجماليات في السورة ، مثل تكرير « كلا » ، و « لا أقسم » ، و « بلى » ، وقوله :
بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسانُ لِيَفْجُرَ أَمامَهُ
( 5 ) تأكيد أن من دأب الإنسان أن لا يفكر في البعث والحساب لأنهما من الغيب ، ولذلك يسأل
أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيامَةِ
( 6 ) ؟ أي متى يكون ؟ يقول ذلك إنكارا للموت ، فقلما يذكره ، ومن ثم لا يتوب ، ويزيد به الأمل في الدنيا حتى ليكذّب أن يأتيه الموت ، وذلك هو قمة الفجور والجحود ، فإذا قامت القيامة فعلا كانت المفاجأة والدهش ، وحينئذ يرى ذلك في عينيه ، يقول تعالى :
فَإِذا بَرِقَ الْبَصَرُ
( 7 ) ، وبرق البصر لمعانه من شدة الشخوص والتحيّر ، وهو من أعراض الموت ، والعينان عند الموت لا تطرفان ، ومثل ذلك يوم القيامة ، وفيه لا يقتصر على ما يلم بالناس وإنما الكون كله يتغير ، فيخسّف بالقمر والشمس ، ويقرنان كثورين عقيرين :
يَقُولُ الْإِنْسانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ
( 10 ) ، وأين المفر ؟ سؤال يطرحه في فزع ، والجواب عليه بالنفي : « كلا » ، أي لا مفر ! وفسّره فقال : « لا وزر » ، أي لا مهرب ، ولا ملجأ ولا محيص :
إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ
( 12 ) ، كما في قوله :
وَأَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى
( 42 ) ( النجم ) ، أي مصيرنا جميعا إلى اللّه . و « بل » في قوله :
بَلِ الْإِنْسانُ عَلى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ ( 14 ) وَلَوْ أَلْقى مَعاذِيرَهُ
( 15 ) من الألفاظ المتكررة للتصحيح والتوضيح ، واستخدامها فيه بيان وبلاغة ، وتأتى « بل » في السورة مرتين ، ومن شأنها سلب الحكم عمّا قبلها فتجعله لما بعدها ، فيصير المعنى : إن الإنسان على نفسه بصيرة ، أي شاهد ، وشهوده على نفسه بأن تشهد عليه جوارحه ، والهاء في بصيرة للمبالغة ، ومعاذيره هي الأعذار يعتذر بها من الذنوب . وفي الآيتين دليل على قبول إقرار المرء على نفسه بشهادته ، أو باعترافه عليها . وبعد هذه المقدمة في الموت ويوم القيامة تتطرق السورة إلى التعليم للرسول صلى اللّه عليه وسلم في كيفية تلقّيه الوحي من الملك ، والاستماع له ، والانتباه إلى بيانه ، وما ينبغي حفظه . وترصد السورة طريقته صلى اللّه عليه وسلم في ذلك ، فكان إذا نزل عليه الوحي عرف في تحريكه شفتيه ، يحركهما بالقرآن خشية أن ينسى ، ولا يفتر منه ، فأنزل اللّه :
لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ
( 16 ) فكان بعد هذه الآية إذا أتاه جبريل أطرق ، فإذا ذهب عنه قرأه كما أقرأه له . والقرآن إذن كما في هذه السورة ، هو الذي ينبه إلى البعث والآخرة ، ويحيل إليهما ، ويذكّر بهما بقوله :
كَلَّا بَلْ تُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ ( 20 ) وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ
( 21 ) ، يعنى أن شغلهم بالدنيا هو الذي يصرفهم عن التفكير في الآخرة ، وفي الآخرة يعرف المجرمون بوجوههم الكالحة العابسة الكاسفة ، لأنهم قد صاروا إلى يقين مما ينتظرهم من البلاء ؛ وأما المؤمنون