تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 731

مساهمون:

ص٧٣١
وأنهم عمّا قريب سيكشف أمرهم ، وتنفضح نواياهم ، وتبين حقيقتهم ، كقوله تعالى :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ
( 4 ) ، وهي أبلغ عبارة يمكن أن تقال في النفاق والمنافقين ، وقوله :
هُمُ الْعَدُوُّ
غاية وقمة في لفت الانتباه إلى خطورة تواجد المنافقين كعملاء وجواسيس وطابور خاس ضمن المواطنين ، فشغلهم الشاغل أن يذيعوا الإشاعات ويثبّطوا الهمم ، ومنهم بخلاف عبد اللّه بن أبي : جدّ بن قيس ، ومعتّب بن قشير . وقوله :
قاتَلَهُمُ اللَّهُ
جملة دعائية ، و
أَنَّى يُؤْفَكُونَ
استفهام إنكاري ، يعنى أخزاهم اللّه ، فكيف لم يروا الهدى وعموا عنه إلى الضلال ، رغم كل هذه الدلائل والبراهين والتحذيرات ؟ وفي السورة أن المنافقين يتسمون باللامبالاة ، وملكة التصوّر عندهم تكاد تكون معطلة كما عطّلت ملكة التمييز ، وأعراض مرض النفاق تظهر عليهم جلية كلوازم تصيب أعناقهم فيلوونها ، أو يهزّونها ، والاستكبار يشعّ من وجوههم ونظراتهم ، ويبين في مشيتهم وأقوالهم ، يترفعون عن الناس رغم وضاعتهم ، وينسبون إليهم الحمق وهو بهم مرض يلازمهم . وتختتم السورة بالتحذير مما يمكن أن يدفع الناس إلى امتهان النفاق ، فالحرص على الدنيا ، واكتناز المال ، والانشغال بمستقبل الأولاد ، قد يجعل الناس يلجئون إلى النفاق كوسيلة تقرّب إلى السلاطين ، واستغفال الآخرين ، والنجاة من ذلك بالحرص على التقوى وذكر اللّه ، وليس هناك أدلّ من الإنفاق على أن صاحبه ليس من المنافقين ، فما عهدنا في أصحاب النفاق أن ينفقوا في سبيل اللّه ، والسورة تحضّ على الإنفاق من قبل أن يحضرنا الموت فعندئذ قد نطلب تأجيل الموت ، ولكن هيهات ، فاللّه لا يؤخر نفسا جاء أجلها . ولولا الحرص على الدنيا والكفر باللّه ما كان عبد اللّه بن أبىّ ينهى الناس عن أن يطعموا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه ، مع أن المال هو مال اللّه ، وله تعالى خزائن السماوات والأرض سبحانه . وفي السورة الكثير من التعابير البليغة والمصطلحات الغنية بالمعاني ، كقوله تعالى :
اتَّخَذُوا أَيْمانَهُمْ جُنَّةً
يعنى توسلوا بالحلف إلى إخفاء حقيقة نواياهم ؛ وقوله :
وَإِذا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ
، وهو مثل ، شبّههم بالخشب التي تآكلت فهي مسندة بغيرها ، وخشب جمع خشبة ؛ وقوله :
يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ
يظنون أن كل نداء هم المقصودون به ، لأنهم يتوقعون الشرّ لما يكتنفهم من الرعب والاستكبار ، كأنما ليس أحد غيرهم يمكن أن ينادى عليه ؛ وقوله :
وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْساً إِذا جاءَ أَجَلُها
وهو حكم ومبدأ من مبادئ الحياة والعيش ، لئلا ينسى الإنسان أنه