تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 730

مساهمون:

ص٧٣٠
ظاهرة جديدة في المجتمع الإسلامي ، فقبل المدينة كانت مشكلة الإسلام مع الكفر ، فلما ظهر الإسلام وصارت له شوكة في المدينة ، دخلته جماعات من أهلها نفاقا ، وعانى الإسلام منهم كثيرا ، والسورة يبلغ عدد آياتها إحدى عشرة آية ، منها عن النفاق والمنافقين ثماني آيات ، وتليها ثلاث آيات عن مواعظ تحذر من النفاق وتهدى إلى نبذه واجتنابه . والسورة نزلت بعد الحج ، وترتيبها في المصحف الثالثة والستون ، وفي التنزيل المدني الثامنة عشرة ، وفي التنزيل عموما الواحدة والثمانون . وفي السورة تحليل للنفاق ، ووصف للمنافقين ، وأمثال مما جرى معهم ، حتى صار اسم السورة عن حق هو « المنافقون » ، وتذكرهم في أول آية منها مرتين ، تقول :
إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ
( 1 ) وهذه الآية موجز للسورة ، وإشارة إلى أسباب نزولها ، فلقد كان المسلمون في غزوة بنى المصطلق ، فاستمع نفر منهم إلى عبد اللّه بن أبىّ رأس النفاق ، يحرّض الأعراب أن يكفّوا عن إطعام أصحاب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأن ينفضّوا من حوله ، وبتعبير السورة :
هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا
( 7 ) ، وقال لهم متوعدا المسلمين : لئن رجعتم إلى المدينة ليخرجن الأعزّ منها الأذلّ - يحث أصحابه على الغدر بالمسلمين . فهؤلاء كانوا المنافقين في عهد رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ، وهم اليوم شرّ منهم ، فالسابقون كانوا يكتمون نفاقهم ، والحاضرون يظهرونه جهرا عيانا نهارا . وفي الحديث في آيات النفاق : آية المنافق ثلاث : « إذا حدّث كذب ، وإذا وعد أخلف ، وإذا ائتمن خان » ، وفي الحديث الآخر تزيد هذه الآيات واحدة ، يقول : « أربع من كن فيه كان منافقا خالصا ، ومن كانت فيه خصلة منهن كان فيه خصلة من النفاق حتى يدعها : إذا ائتمن خان ، وإذا حدّث كذب ، وإذا عاهد غدر ، وإذا خاصم فجر » ، فجاء العهد في مكان الوعد وهما سواء ، وكانت الخصلة الجديدة هي الفجور في الخصام ، وخلاصة ذلك كله أن المنافق لا أمان له ، ونقيضه المؤمن ، وفي الحديث : « المؤمن إذا حدّث صدق ، وإذا وعد أنجز ، وإذا ائتمن وفى » . وفي السورة أن منافقى المدينة كانوا كل ذلك ، وكانوا كاذبون ، يشهدون للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ظاهرا ، وينكرونه باطنا ، ويتعايشون مع المسلمين والحقد والضغينة قد طبعا قلوبهم ، حتى ران عليها الكفر فما عادوا يفقهون شيئا ، ولا يستمعون لحق ، تنظر إليهم فتعجبك أجسامهم ، وإذا تحدّثوا تحب أن تستمع إليهم ، وفي الحقيقة هم أشباح بلا أرواح ، وأجسام بلا أحلام ، يستبد بهم قلق دفين ، وخوف مريب ، ويظنون الناس إذا تناجوا فإنما يلغطون فيهم ، وإذا تنادوا يحسبون أنهم ينادون عليهم ،