تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 698

مساهمون:

ص٦٩٨
أن سليمان استخدم الجن لعلمهم ومهارتهم ، والجن إذن من ثوابت القرآن ، وليس في القرآن أن نبيّنا تعامل مع الجن أو خاطب الجن ، وكل ما فيه أن الجن استمعوا إلى القرآن ، كقوله تعالى :
وَإِذْ صَرَفْنا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ
( الأحقاف 29 ) . وفي القرآن يتكرر الخطاب والرواية عن الجن والإنس ، إحدى عشرة مرة ، ومنها مرتان كان الخطاب فيهما لهما معا ، فكانت الجن تقدّم على الإنس :
يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ
( 33 ) ، فنفهم أن الجن بمصطلح سورة الرحمن هم : « أثقل الثقلين » . واستهلال آلاء اللّه على الإنسان بالقرآن ، دليل على أن القرآن هو نعمة اللّه الكبرى ، ويسبق في الذكر خلق الإنسان ذاته وتعليمه البيان . وتخلص السورة إلى بقية الآلاء في تراتب قيمي ، فبعد القرآن ، والإنسان ، والبيان ، تأتى الشمس ، والقمر ، والنجم ، والشجر ، والسماء ، والمقصود تعداد ما أنعم اللّه به على نوع الإنسان ، حثّا لهم على شكره ، وتنبيها على تقصيرهم في هذا الشكر . وكل هذه الآيات خلقها تعالى بميزان ، أي بتقدير وحساب ، فالميزان شرعته تعالى ، وبدون الميزان لا يستقيم الكون ، ومن ثم كانت موعظته تعالى للإنسان بأن يقيم الوزن بالقسط ، أي بالحساب والتقدير ، بحسب القصد والغاية ، فبالميزان وضع اللّه تعالى الأرض كوضعه للسماء ، ويسّر الأرض للناس ، فكل شئ لا بد أن يكون بميزان وبغاية ، والأرض كانت كذلك بغاية معاش الإنسان ، فذلّلها له ، وخلق له فيها كل ما لذّ وطاب ، ومن الإعجاز الفكري والحضارى للقرآن أن خلقه جاء قبل خلق الإنسان ، لأنه قبل خلق الإنسان لا بد أن يوجد سبب للخلق ، وأن يحدّد للإنسان منهج ، والقرآن خلقه اللّه للإنسان ليرجع إليه ، وكل علم لا بد فيه من مرجع ، والقرآن هو الكتاب المرجع الأكبر ، والقراءة والكتابة أساس كل حضارة ، والبيان هو أعلى علوم الإنسان ، ولذا قال تعالى في سورة الرحمن :
عَلَّمَ الْقُرْآنَ ( 2 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ ( 3 ) عَلَّمَهُ الْبَيانَ
( 4 ) ، فكان القرآن أولا قبل الإنسان . ومن الإعجاز العلمي : أن الشمس والقمر بحسبان ، والحسبان عند العرب هو الرحى ، يعنى قطب الشمس أو القمر ، فهما يدوران في مثل القطب ، فنبّه القرآن إلى دورانهما حول نفسيهما ، وحول كواكب أخرى ، ولكل نظامه ، مثلما للنجم والشجر نظامهما ، وسجودهما يعنى انتظامهما في النظام المنوط بهما ، كقوله تعالى في سورة النور :
أَ لَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ
( 41 ) ، وقوله في سورة الإسراء :
تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ
( 44 ) ، ونفهم أن يكون للملائكة والإنسان تسبيح وصلوات ، لأن لهما عقول وفهوم ، وأما الشجر والحيوان والطير والنجوم ، فهي مسخّرة ، وصلاتها وتسبيحها هو