تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 658

مساهمون:

ص٦٥٨
في ثلاث وعشرين سنة . وفي السورة أن كل من يؤمن بالقرآن ، يؤمن باللّه ، وأنه تعالى ربّ السماوات والأرض ، وربّ العالمين ، أي ربّ كل شئ وهو الذي لا إله إلا هو ، يحيى ويميت ، ومن يكفر به فذلك موعده الآخرة يوم العذاب الأليم ، ويوم تمتلئ السماء بالدخان ، ويغطى الأرض ، فلا يكاد يتنفّس الناس ، ويألمون أشد الألم ، وتسمّى السورة يوم القيامة : « يوم البطشة الكبرى » ، ومعنى أنها الكبرى : أن الدنيا فيها بطشات صغرى ، أي نكبات وعذابات ، وبطشة يوم القيامة أو عذاب هذا اليوم - هي أكبر البطشات ، ويوم القيامة إذن هو يوم العذاب الأكبر ، وفيه وعده تعالى :
إِنَّا مُنْتَقِمُونَ
( 16 ) ، والانتقام عقاب ، والنقمة من الانتقام ، والفرق بين النقمة والعقاب ، أن العقاب بعد المعصية ، لأنه من العاقبة ، أي يعقبها ، والنقمة قد تكون قبلها أو بعدها ، ولأنها البطشة الكبرى فهي العقاب النهائي أو الختامى ، ولو قال تعالى أنها العقاب ، فإن العقاب يقدّر ، وأما الانتقام فهو غير مقدّر ، رحمنا اللّه . وفي ذلك اليوم يصرخ الكافرون ويجأرون ويسترحمون ، وأنّى لهم من يرحمهم ؟ والرسول صلى اللّه عليه وسلم قد جاءهم في الدنيا بكل بيان ، واسمه « المبيّن » لأنه صلى اللّه عليه وسلم بيّن وشرح وفسّر ، وأنذر وبشّر ، ووعد وأوعد ، فلم يتّعظوا ، بل تولوا وقالوا ساخرين « معلّم مجنون » ! أي أنه يريد أن يقف منهم موقف المعلّم ، ولكنه لا يعلمهم في الحقيقة شيئا لأنه مجنون ، أي فاقد العقل . وتتوجه السورة بهذا الكلام لكفّار مكة ، وتنذرهم بقوله تعالى :
إِنَّا كاشِفُوا الْعَذابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عائِدُونَ
( 15 ) ، فهم في عذاب الكفر ، ويكشفه اللّه قليلا طالما هم في الدنيا ، ويمتّعهم قليلا ، ثم يكون العذاب الأكبر يوم الساعة ، يوم يعودون إليه ، ويبعثون بعد الموت . وتضرب السورة ثلاثة أمثال لأقوام من الماضي ، لعل كفار قريش يتّعظون ، وفي القصص مع الكفر تسلية للرسول صلى اللّه عليه وسلم وللمؤمنين ، ورفع لروحهم المعنوية . وكانت أولى القصص عن قوم فرعون وبني إسرائيل ، وفيها منى فرعون بالهزيمة ، ونجا بنو إسرائيل ؛ والقصة الأخرى مع الإيمان ، وهي القصة الثانية : وهي قصة عناد وكفر أهل مكة لمّا أنكروا البعث ، كقوله تعالى :
إِنَّ هؤُلاءِ لَيَقُولُونَ ( 34 ) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولى وَما نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ ( 35 ) فَأْتُوا بِآبائِنا إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ
( 36 ) ؛ والقصة الثالثة : هي قصة قوم تبّع والذين من قبلهم ، ذكرتها السورة عرضا ، وأطلقت على المنكرين أنهم كانوا مجرمين . وقصة فرعون وبني إسرائيل هي القصة الرئيسية ، ورسالة موسى إلى فرعون أن يؤدّى إليه بني إسرائيل ، وسمّاهم عباد اللّه ، وسمّى نفسه الرسول الأمين ، ووصف سلطانه من اللّه بأنه مبين ، ووعظ فرعون أن لا يعلو على اللّه وحذّره من الاستكبار ، وغلا فرعون وقضى في موسى بالقتل ، فاستعاذ باللّه أن يرجموه ، وأنذرهم