قَوْماً بِما كانُوا يَكْسِبُونَ
( 14 ) نزلت في المدينة بسبب أن رجلا من قريش كان قد شتم عمر بن الخطاب لمّا كان في مكة ، فهمّ أن يبطش به ، قيل فنزلت الآية تحضّ على أن يغفر المؤمنون للذين لا يعتقدون في الثواب والعقاب والبعث والحساب . « وأيام اللّه » : هي وقائعه بأعدائه ؛ وقوله « لا يرجون أيام اللّه » : أي لا يأملون أن ينالهم منها عذاب ، لدعواهم بأنهم إن ماتوا فقد انتهى الأمر ، وهي الموتة الأبدية ، ولا نشور بعدها ولا رجوع ، فمثلهم يغفر لهم في الدنيا ويكفيهم عذاب اللّه على كفرهم ، وهل هناك عذاب أكبر من عذاب الكفر ؟
فلا قيمة لأية إساءة أقل من الكفر ، لأن الكفر يعلو ويعظم على كل إساءة . والسؤال :
فلما ذا تنزل هذه الآية في المدينة عن حادث وقع في مكة وطال عليه الأمد - فسورة الجاثية كانت السورة الخامسة والستين في التنزيل المكّى ، وبين زمانها وزمان المدينة وقت طويل ؟ وقيل : إنها نزلت في عمر مع عبد اللّه بن أبىّ في غزوة بنى المصطلق ، فإن المسلمين لمّا نزلوا على بئر يقال لها المريسيع ، أرسل عبد اللّه غلامه ليستقى ، فأبطأ عليه ، وادّعى أن خادما لعمر بن الخطاب قعد على البئر يستقى حتى ملأ قرب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وقرب أبى بكر وعمر ، فقال عبد اللّه : ما مثلنا ومثل هؤلاء إلا كما قيل : سمّن كلبك يأكلك ! ! فبلغ عمر ما جرى ، وشتيمة عبد اللّه له ، فاشتمل سيفه يريد التوجه إليه ليقتله ، فأنزل اللّه الآية . واعتراضنا على هذا السبب أيضا هو نفس الاعتراض السابق ، وليس معنى كلام عبد اللّه في عمر وغلامه ، أنه لا يرجو أيام اللّه ، ولا صلة بين واقعة غلام عبد اللّه وغلام عمر وبين مضمون الآية ، والصحيح أن معنى الآية منسجم مع معنى السورة كلها ، وأن الآية مما نزل بمكة ضمن السورة ، وأنها ليست ضد اليهود ، ولا ضد المنافقين وهم الذين كانت الشكوى منهم في المدينة ، وإنما هي ضد الكفرة ، وهؤلاء هم الذين لا يرجون أيام اللّه ، أي لا يعتقدون في الآخرة ، ولا يرون أنهم محاسبون ، وليست للّه أيام عندهم ، فأيامهم هي ملك أنفسهم .
وسورة الجاثية - كما يوحى اسمها - عن يوم الحساب أصلا ، وهو اليوم الذي يجثو ، فيه الناس جميعا ينتظرون دورهم في الحساب ، والجثو : هو الجلوس على الركب ، من قولك : جثا على ركبتيه يجثو وفي الحديث أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قال : « كأني أراكم بالكوم جاثين دون جهنم » ، والكوم هو ما يشبه التلّ ، وفي قوله تعالى :
كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعى إِلى كِتابِهَا
، « وكتابها » هو كتاب أعمالها في الدنيا لتجزى ما كانوا يعملون .
وسورة الجاثية نزلت بعد سورة الدخان ، وآياتها سبع وثلاثون آية ، وترتيبها في المصحف الخامسة والأربعون ، وهي السادسة من السور السبع التي تبدأ بالحروف المقطّعة
حم
( 1 ) ، وهي : غافر ، وفصّلت ، والشورى ، والزخرف ، والدخان ثم الجاثية ، وأخيرا