وبين من يعبد الطاغوت ، أي الأوثان والأصنام ، أو الشيطان ، وكانوا قديما يتعبّدونها ، وهم الآن يتعبّدون الأبطال والزعماء ، وعقائد الأحزاب ، والمذاهب ، فأن ننخرط في حزب ، أو نعتقد في زعيم ، لدرجة أن ننسى الدين ونعمل ضد تعاليمه ، فذلك هو الطاغوت ، وقول الدين هو أحسن القول ، ولا يستوى من يشرح اللّه صدره للإسلام ، ويجعله له نورا يمشى به في الناس ، كمن مثله في الظلمات ليس يخرج منها ، وقد جمد قلبه لا يلين لذكر ربّه ، ولا يخشع ، ولا يعى ، ولا يفهم . والقرآن أنزله اللّه وفيه أحسن الحديث :
اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتاباً مُتَشابِهاً مَثانِيَ
( 23 ) ، والمتشابه بمعنى أن بعضه يشبه بعضه ، ويردّ بعضه إلى بعضه ، ويصادق على كثير مما قال الأنبياء قبل نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم :
كعيسى ، وموسى ، وإبراهيم ، وإسحاق ويعقوب ، وإسماعيل ، ونوح ، وصالح ، وهود . . .
إلخ ، يتلوه المؤمن أو ينصت لقراءته فيخشع قلبه ويلين ، ويخر ساجدا باكيا ، ووصفه تعالى للقرآن بأنه حديث ، كقوله :
فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ
( 50 ) ( المرسلات ) ، وقوله :
أَ فَمِنْ هذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ
( 59 ) ( النجم ) ، وقوله :
وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً
( 87 ) ( النساء ) ، وقوله :
فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهذَا الْحَدِيثِ
( 44 ) ( القلم ) ، وقد ظن به البعض أن الحديث في هذه الآيات من الحدوث ، بمعنى أن كلام اللّه محدث ، كما في الآية :
ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ
( 2 ) ( الأنبياء ) ، فالذكر هو المحدث ، أي الأحداث والوقائع التي يتحدث فيها القرآن ، وإنما كلام اللّه تعالى ليس بمحدّث ، لأنه صفة لذاته تعالى .
ويحفل القرآن بالأمثال يضربها اللّه تعالى للناس ، لنفعهم وليرجعوا إليها كلما احتاجوها في أمور حياتهم ودنياهم ، وفيما يتزوّدون به لآخرتهم ، لقوله تعالى :
ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ
( 38 ) ( الأنعام ) أي ما قصّرنا في شئ ، وجعله اللّه تعالى عربى اللغة والطابع ، لا اختلاف فيه بوجه من الوجوه ، ولا تعارض ولا تناقض ، ولا لبس فيه ولا لحن ، فمن يؤمن به فقد اتّعظ واعتبر ، ومن لا يشرك بربّه فقد اتّقى ، ولا يستوى المؤمّن الموحّد مع المشرك الذي يعبد آلهة شتى ، ومثلهما مثل الرجل الذي منه شركاء متشاكسون ، والرجل السليم لرجل لا يشاركه فيه أحد ، هل يستويان ؟ والمثل حجّة عليهم ، وما أقصر العمر أن يمضوه في المنازعات ومحاولة الإقناع ، وفي البحث عن الحجج لإثبات حقائق بدهية ، وعمّا قليل يموت النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كما يموتون ، فلا معنى أن يتمنوا له الموت من دونهم ، والخصومة لن تتوقف بموته ، بل ستمتد إلى يوم الدين ، فيفصل فيها أحكم الحاكمين ، ومن أظلم ممن يكذب على اللّه ، وينسب إليه شركاء وأولادا ، ومن يكذّب بالقرآن من غير تدبّر ولا تأمّل ، وإنه لأظلم من كل ظالم ؛ وأما الذين يجيئون بالصدق -