مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزابِ
( 11 ) ، أي جنّدوا أنفسهم وتحزّبوا ضد اللّه ، فعمّا قليل يهزمون بإذن اللّه ويولون الأدبار . وتضرب السورة المثل بما عانى الرسل من قبل نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم ، من وجوه التكذيب برسالاتهم ، فليس نبيّنا بدعا بينهم ، وإنما جميعهم كذّبوا ، ومنهم نبيّنا ، وكان قوم نوح كأهل مكة ، كما كان فرعون صاحب الأهرامات الشامخة كالجبال ، والثابتة في الأرض وكأنها الأوتاد ، كأبى جهل ، عنادا وكفرا ؛ وثمود ، وقوم لوط ، وقوم شعيب أصحاب الأيكة ، أي البساتين المشجرة ، شكّلوا جماعات متحزّبة ضد رسلهم ، فاستحقوا عقابه تعالى لهم ، وما أمر أهل مكة إلا صيحة واحدة - أي نفخة في النفير ، فتزهق أرواحهم ، وما لهم من عواقب الصيحة فواق ، أي أنها تأخذهم أخذا فلا يفيقون منها . وكما ضرب اللّه المثل لنبيّه بهؤلاء الأقوام الكفرة ، ضرب له المثل بغيرهم ممن راعوا حقوق اللّه وعاشوا الحياة الدنيا كما ينبغي ، وهؤلاء هم أنبياء اللّه ، كداود ، وسليمان ، وإبراهيم ، وإسحاق ، ويعقوب ، وإسماعيل ، واليسع ، وذي الكفل ؛ والأوّلان - داود وسليمان ، كانا ملكين نبيين ، وكان داود ملكا مشهودا له بالقوة ، وكثيرا ما كان يزلّ ، إلا أنه سرعان ما يرجع إلى اللّه ويستغفر ويتوب ، فوهبه اللّه علما ، وزاده قوة ، وكان بارع في التراتيل والتسابيح ، ويحب أن ينشد الأناشيد في مدح اللّه والثناء عليه ، وطلب العفو منه ، ويسأله العزة والمنعة ، فإذا انشد اختار أن يكون إنشاده وسط الطبيعة ، وعلى قمم الجبال ، فتردد الجبال إنشاده في الليل والنهار ، وحتى الطير كان يحب إنشاده ، ويجتمع له ينصت ويعجب . وأضفى اللّه على داود المهابة يشدّ بها ملكه ، وآتاه الحكمة ، فكان إنشاده من وحى اللّه هو ما يعرف الآن باسم « مزامير داود » ، وهي « الزبور » في القرآن ، وعباراته متينة بيّنة . وتقصّ السورة نبأ الخصمين اللذين تسوّرا المحراب للقاء داود ليقضى بينهما ، مما أوردناه ضمن « باب قصص القرآن » ، وما كان لداود أن يظلم وهو المعيّن خليفة من قبل اللّه ليحكم بين الناس بالحق ولا يتّبع نزواته وشهواته فتضله عن سبيل اللّه ، وويل لكل مفسد في الأرض ، والحياة لم يخلقها اللّه عبثا بلا غاية ، ولكنها ابتلاء وامتحان ، ولا يستوى المتّقون والفجّار ، ولا الأخيار والأشرار . وما كان سليمان إلا كأبيه ، ذرية بعضها من بعض ، فكان يزلّ كأبيه ولكنه يستغفر ويتوب ، وأتاه اللّه الملك والنبوة ، وكانت له حكايات وخبرات وممارسات كاد يفتن فيها ونجّاه اللّه ، مثل قصته مع خيله التي نسي الصلاة بسببها ، فتخلص منها حتى لا يتكرر معه ذلك ، وكثيرا ما ينتصر حبّه للدنيا على حبه للّه ، ودعا لنفسه فما استطاع أن يتخلص من حب الدنيا مطلقا ، وما كان يصلح أن يكون زاهدا ، فهو ملك رسول ، وكان دعاؤه المشهور :
قالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكاً لا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ