تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 641

مساهمون:

ص٦٤١
وجواب القسم محذوف تقديره : وإنه للحق من عند اللّه ،
بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقاقٍ
( 2 ) : ، أي اختلفوا أنه حقّ من عند اللّه ، فما كفروا به لخلل وجدوه فيه ، وإنما كان كفرهم استكبارا عن الحق ، وخلافا للّه ولرسوله ، كقوله تعالى :
وَإِذا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ
( 206 ) ( البقرة ) ، والعزة : هي الغلبة والقهر ، والآية وعيد لأهل مكة على كفرهم واستكبارهم كما كان من سبقهم ، وكم أهلك اللّه منهم حتى تنادوا يستغيثون ويتوبون ،
وَلاتَ حِينَ مَناصٍ
( 3 ) كما تقول السورة ، يعنى ما كان هذا وقت الاستغاثة أو التوبة ، فقد مضى ذلك وانتهى ، وقيل : ونادوا حين لا مناص ، أي ساعة لا منجى ولا فوت . والسورة تنبّه إلى أن هذا هو الشأن دائما مع المنكرين ، فالخلاف يدبّ بينهم إزاء الدين ، ويموتون كفارا ثم يكون العذاب فيستغيثون ، وربما العذاب في الدنيا والآخرة ، وقد يكون عذابهم رفضهم لدعاوى الدين ، أن الداعين للدين منهم ، وأن دعاواهم كأنها السحر لإعجازها ، فاتهموهم بأنهم مشعوذون وكذّابون ، وكذلك اتهموا نبيّنا الكريم صلى اللّه عليه وسلم ، وتتضارب دفوع المنكرين ، فبعضهم قد يرى أن الطبيعة هكذا صنعت ولا إله لها ، وبعضهم قد يرى أن التطور هو الغالب ، وأن الصّدفة هي الخالق ، وقد يرى البعض أن للطبيعة قوى مختلفة ، وكل قوة منها كالإله ، وأنها جميعا تصنع الحياة ، وبناء على ذلك قد يرفضون دعوة التوحيد ، ويعجب هؤلاء من منطق التوحيد ، فكيف تجتمع الكثرة في الواحد ؟ والكثرة بينها تعارض ، والواحد ضد التعارض ، وإذن فالقول بإله واحد هو قول لا يستقيم . وصدقت قريش أنهم ما سمعوا في ملّة أخرى أن اللّه واحد ، فاليهود قلّما قالوا أن اللّه واحد ، وعبدوا آلهة الأمم الأخرى ، وادّعوا أنهم أحباب اللّه ، وأنه لا يحاسبهم ، بل ولم يذكروا في كتبهم شيئا عن حساب أو عقاب ، فالحساب والثواب والعقاب في الدنيا ، بما يكون من حياة كريمة للبعض ، وسيئة للبعض ، والدنيا للغالب ، والصفوة هم الغالبون ؛ والنصارى قالوا إن المسيح ابن اللّه ، وألّفوا لذلك تأليفات يفلسفون بها كفرهم ، فقالوا بالتثليث ، وتوّهوا الناس في معاني الأب والابن وروح القدس ، ودعوا لعبادة المسيح ، وسمّوا مسيحيين ، فكان كفرهم كفرا على كفر ، وكانت قريش على حق لمّا وصفوا دعوة محمد بأنها الأولى من نوعها ، واعتبروا ما يقول فلسفة واختلافا . وحجّتهم في رفض النبىّ صلى اللّه عليه وسلم أنه بشر مثلهم ، فلما ذا اختير دونهم وهو ليس أشرفهم ولا أجدرهم ؟ فلمّا شكّكوا فيه شكّكوا فيما جاء به من القرآن ، ليس عن علم ، بل لمجرد أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد جاء به ، وكأنهم المختصون بإقرار نبوة هذا النبىّ ، ورفض نبوة ذاك ، وكأنهم الموكلون منه تعالى بأمر الكون والناس والرسالات ، وكأنهم جند لشئ ليس هو اللّه بالتأكيد :
جُنْدٌ ما هُنالِكَ
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 641 | عبد المنعم الحفني