تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 614

مساهمون:

ص٦١٤
مكية ، والمقصود بالمعاد يوم القيامة ، والآية تخاطبه صلى اللّه عليه وسلم كخطابه تعالى له في الآية التالية :
وَما كُنْتَ تَرْجُوا أَنْ يُلْقى إِلَيْكَ الْكِتابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكافِرِينَ
( 86 ) ، ونزول الكتاب بدأ في مكة ، والكافرون مكانهم مكة ، وكذلك المشركون في قوله تعالى بعد ذلك :
وَلا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آياتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلى رَبِّكَ وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ( 87 ) وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ
( 88 ) وكل ذلك مكّى ، والآية من ثم مكّية ، والسورة جميعها مكّية ، ومنهجها كمنهج سورتي الشعراء والنمل - وهما مكّيتان ، وكان نزولها بعدهما على الترتيب : الشعراء أولا ، وترتيبها في النزول السابعة والأربعون ، ثم النمل ، وترتيبها الثامنة والأربعون ، ثم القصص وترتيبها التاسعة والأربعون ، ومن يقرأ السور الثلاث يجد لها عبقا واحدا ، ويستشعر إزاءها بمزاج نفسي متشابه . ومدار سورة القصص هو : الحق والباطل ، والصراع بين جند الرحمن وجند الشيطان ، ويتمثّل ذلك في قصص ثلاث من نماذج الشرّ بميزان السلوك السّوى ، ومن نماذج المرض النفسي والشواش العقلي بميزان الصحة النفسية . وقصص هؤلاء الثلاثة هي قصص الطغيان بالحكم ، والطغيان بالسلطة ، والطغيان بالمال . وتبدأ السورة بالحروف المقطعة « طسم » ، تنبيها على إعجاز القرآن ، وإشارة إلى بيانه المركّب من حروف الأبجدية ، كبيان مخلوقات اللّه في الكون من العناصر المادية . وكتاب الكون وكتاب القرآن ، سواء بالعناصر أو بالكلمات ، كلاهما من إعجازه تعالى ، بدأ الخلق بكن وهي كلمة ، فكان الكون وهو آيات مادية ، وكان أيضا القرآن وهو آيات مكتوبة ومقروءة . واسم السورة « القصص » يعنى أنها تخبر عن وقائع وقصص جرت في الأزمان ، وهي مع ذلك من آياته تعالى . وتتلو سورة القصص بالحق الذي لا ريب فيه نبأ موسى مع فرعون ، وتتولى إبلاغه لقوم يصدّقون بالقرآن فينتفعون به ، ولولا أنه تعالى لا يريد للمستضعف أن يظل مستضعفا ، وللمستقوى أن يظل مستقويا ، لما أرسل موسى ، ولكنه جعل الاستضعاف والاستقواء فتنة ليبلو الناس أيهم أحسن عملا . وتقع القصة في أربعة أجزاء . وفرعون كان من المتجبّرين في الأرض ، وادّعى الربوبية ، واستذلّ الناس ، وأزهق الأرواح واستحيا النساء ، فحان الحين أن يتغير كل هذا ، ويبدأ الجزء الأول من القصة . واختار اللّه موسى لمهمة التغيير ، ومنذ البداية جعله معجزة ، وانقذه من أن يموت مع من يموتون من صبية الإسرائيليين ، ونجّاه من أن يغرق ، وكأنه وهو في السلة البوص ، وقد ألقت به أمه في اليم ، يتنبأ إرهاصا بما سيكون عليه حال عدوه : فرعون وهامان وجنودهما من الغرق في اليم ! والتقطه آل فرعون من الماء ، وربّته امرأة فرعون ، وأعطته اسمه موسى ، وأرضعته أمه لمّا