تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 616

مساهمون:

ص٦١٦
عليه بعد ما طال العهد بالناس منذ آخر شريعة نزلت عليهم ، فحرّفوها ، ونسوها ، وأهملوا العمل بها ، فأرسل اللّه نبيّه ليجدد ما تنوسى ، ويعدّل ما حرّف . وما كان النبىّ صلى اللّه عليه وسلم من أهل مدين ليعلم بما حدث لموسى مع شيخها الكبير شعيب ، ومع وابنتيه ، فيخبر به أهل مكة ، ولكنه كان نبيا مرسلا ، أوحى له اللّه تعالى بما أوحى من ذلك القصص ليتلوه عليهم ، لعلهم يهتدون ، فما اهتدوا ، وسألوه تعنّتا وعنادا أن تكون له مثل حجج موسى ، ونسوا أن أمثالهم كفروا من قبل بحجج موسى ، ووصفوا موسى وهارون بأنهما ساحران تظاهرا ، وها هم يصفون محمدا بأنه ساحر ، وما نزل محمد بسحر ولا بمعجزات كمعجزات موسى ، وإنما معجزته القرآن كمعجزة موسى التوراة لو لم تحرّف ، ويصفهما اللّه تعالى بأنهما لا كتاب أهدى منهما ، فهما المعجزتان حقا - التوراة والقرآن ، ولا شئ مثلهما ، تعجيزا منه تعالى لكفّار مكة . والقرآن يصل التوراة . ولكي نعرف المحرّف من غير المحرّف في التوراة علينا أن نميّز بين ما كان دعوة لتمجيد اللّه ، وما كان دعوة لتمجيد بني إسرائيل ، وكل تمجيد لبنى إسرائيل في التوراة فهو مزيف منحول . ومن أهل الكتاب من يعلم أن آيات التوراة حرّفت ، وأن حقيقة هذه الآيات هي التي وردت بمعانيها آيات القرآن ، وأنهم - أي أتباع موسى - كانوا مسلمين لذلك قبل الإسلام ، فمن أسلم من أهل الكتاب - واليهود خاصة - بعد الإسلام ، لهم أجران ، لأنهم مرة آمنوا بكتابهم ، ومرة آمنوا بالقرآن ، ولأنهم صبروا ، ويدرءون بالحسنة السيئة ، وينفقون مما رزقوا ، ويعرضون عن اللغو ، ويقولون لنا أعمالنا ولكم أعمالكم ، سلام عليكم ، لا نبتغي الجاهلين ، وسلامهم سلام متاركة ، لا يريدون به التحية ، وإنما المباعدة ، ولا يبتغون به أن يصاحبوهم ولا أن يخالطوهم . ثم تتوالى الآيات في الردّ على المكابرين ، كقولهم للنّبىّ صلى اللّه عليه وسلم : لما ذا لا تهدى من أحببت مثل عمك أبى طالب ؟ وكان الردّ من القرآن :
إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ
( 56 ) ، يعنى : هو أعلم بمن لديه الاستعداد للهداية فيهديه . وقالوا : إن اتبعوا النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، عاداهم العرب ، وتمكّنوا منهم وتخطّوهم ؟ وكان الردّ من القرآن : أنهم كان عندهم الحرم الآمن وهم كفّار ، أفلا يكون آمنا إذا آمنوا ؟ وتتعاقب العظات : كم أهلك اللّه من قرية بطرت معيشتها ؛ وما كان اللّه ليهلكها إلا بعد أن يبعث إليها رسولا يتلو على أهلها آياته ؛ وما كان يهلك أهلها إلا وهم ظالمون ؛ وأن كل ما يخصّ الدنيا فهو من متاعها ؛ وأن ما عند اللّه هو الباقي ، وأن من يعده اللّه حسنا فهو لاقيه ؛ وأن من يتوب ويعمل صالحا فعسى أن يكون من المفلحين ، والترجّى في القرآن بمنزلة التحقّق ، لأنه وعد كريم من ربّ رحيم ، ولمّا قالوا : لولا نزّل القرآن على