تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 617

مساهمون:

ص٦١٧
رجل من القريتين عظيم ؟ كان الردّ من القرآن : وربّك يخلق ما يشاء ويختار ، وما كان لهم الخيرة . فأكدت الآيات أنه تعالى هو الخالق وأن له المشيئة والخيار ، فلما ذكرت الآيات أنه تعالى هو الخالق المختار عقّبت بذكر بعض الأدلة والبراهين على عظمته تعالى ، تذكيرا للعباد بوجوب شكر نعمه ، ومنها جعله الليل والنهار متعاقبين ، فلم يجعلهما سرمدا إلى يوم القيامة ، وجعلهما لسكنى الناس ولمعايشهم ، وأوردت السورة قصة قارون ، كآية من آياته تعالى ، وهي قصة الطغيان بالمال ، وما كان من أمر انخساف الأرض به وبأمواله ، وهي نهاية كل مستعل مغرور . وكان قارون مضرب المثل في الثراء المقيت ، فكان يأخذ من الناس ولا يعطى ، ويراكم المال ولا ينفقه في سبيل الخير ، ولذة جمع المال وهواية هذا الجمع اضطراب نفسي وعقلي لا شك فيه ، كهواية جمع السلطة ، وجمع القوة ، والثلاثة : فرعون ، وهامان ، وقارون ، نماذج لأسوإ أنواع الطغيان ، والأول : طاغية مستبد في مجال الحكم ؛ والثاني : طاغية في مجال السلطة والنفوذ ، وإرهاب الناس ، وعسكرة الدولة ؛ والثالث : طاغية في مجال الاقتصاد والمال . وبلغت ثروة قارون حدّ الخرافة ، حتى أن مفاتيح خزائن المال عنده كان حملها تنوء به العصبة أولوا القوة ، والعصبة كما في سورة يوسف عشرة وهم إخوته بدونه ، فإذا كانت المفاتيح تحتاج لعزم عشرة من الأقوياء ، فما بالك بالثروة نفسها ؟ وكلما خرج قارون على الناس بهرهم موكبه وأتباعه ، والزينة من حوله ، حتى ليتمنى ضعاف الإيمان لو لهم مثل ما له من حظوظ ! وردّ عليهم العقلاء من أهل العلم والفهم :
وَيْلَكُمْ ثَوابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صالِحاً وَلا يُلَقَّاها إِلَّا الصَّابِرُونَ
( 80 ) ، والويل دعاء بالهلاك ، والجنة درجة لا يبلغها إلا من صبر على مشيئة اللّه ، وزادت فتنة قارون فاستغنى عنه اللّه لمّا استغنى قارون عن اللّه والناس ، وبخل وشحّ ، وأنكر الربّ والبعث والحساب ، وتمادى ، وخسف به وبماله فما كان له من فئة تنصره من دون اللّه ، وأصبح من تمنّوا مكانه بالأمس نادمين ، يقولون :
وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْ لا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا لَخَسَفَ بِنا وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكافِرُونَ
( 82 ) ، يعجبون من صنع اللّه ، وكيف أنه يوسّع الرزق لمن يشاء ، لحكمة لا يعلمها إلا هو ، لا عليه لمن يوسّع له رزقه ، ويضيّق الرزق على من يشاء ، لحكمة لا يعلمها إلا هو ، قضى بذلك ابتلاء لا لهوانه عليه . ولولا أن اللّه يمنّ على الناس ويلطف بهم ، ويتفضّل عليهم ، لكان مصيرهم مصير قارون ! وإن المدقّق ليخلص مما يشاهد من صروف الحياة وأعاجيبها ، إلى أن الجاحد بنعم اللّه ، الكافر به ، لا يجد السعادة في الدنيا ولا في الآخرة . وتنتهى قصة طغيان المال ، وما تنتهى عظاتها وعبرها ، ويعقبها مباشرة قوله تعالى تعليقا ، وتنبيها ، وتحذيرا ، وتعليما :