تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 597

مساهمون:

ص٥٩٧
من قوله تعالى فيها :
اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ . . .
( 35 ) وتستهل السورة بالتوصيف والتقديم لها :
سُورَةٌ أَنْزَلْناها وَفَرَضْناها وَأَنْزَلْنا فِيها آياتٍ بَيِّناتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ
( 1 ) ، ومقصودها أحكام الأسرة والسلوك ، ولذا قالت فيها عائشة : علّموا بناتكم سورة النور » . قالت ذلك لما فيها من آداب تهم البنات خصوصا . وفرائض السورة كثيرة ، وقوله تعالى إنها « سورة » لمنزلتها وشرفها ، لأن « السورة » من السّور الذي من شأنه أن يحوط الأشياء ويمنع عنها . والسورة تعليمية بالنسبة للنساء ، وتعرّف معنى البيت المسلم والأسرة المسلمة ، وابتداء السورة بالكلام في الزنى ، وابتداء أي كلام في الأخلاق يكون بالمسألة الجنسية ، والمناسبة التي استدعت نزول هذه الآية : أن رجلا من المسلمين أراد أن يتزوج امرأة كانت تسافح الرجال ، فنزلت الآية في عقاب الزنى وبيان حدّه ، ثم في تحريم الزواج من الزناة الرجال والنساء على السواء . والزنى في اللغة معروف قبل الشرع ، وهو في اليهودية ، وحدّه عندهم الرجم ، ولا حدّ له في النصرانية ولا عقاب عليه ، ولهذا دعوة العلمانيين من أهل الغرب أن لا يعاقبوا عليه ، وأن يبيحوه ، وأن يسقطوا اسمه « الزنى » باعتبار العقاب عليه لا يتوافق مع القول بالحرية الشخصية . والزنى : هو وطء الرجل امرأة لا يحلّ له وطؤها بشرط مطاوعتها . وعقوبة الزنى الجلد ، بقوله تعالى :
الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ واحِدٍ مِنْهُما مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذابَهُما طائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ
( 2 ) ، وكما ترى فليس من العقوبة الرجم ولا التغريب . والذكر في العقوبة كالأنثى ، والبدء في الآية أولا بالزانية الأنثى ، لأن الزنى بالنساء كان في كل العصور أفشى ، وهو الآن كما كان في السالف وكما سيكون في الغد ، والفرق بين الأمس واليوم ، أن بغايا الزمن السالف كن ينصبن رايات على بيوتهن ، وكن يتخذنها خارج الكتلة السكنية ، وأما المرأة اليوم فترتكب الزنى في بيتها وفي غير بيتها . والمرأة الزانية على أي حال تجاهر بالزنى أكثر من الرجل ، وزينتها وتبرجها يعلنان عنها ، والزانية أعرّ لأسرتها وأهلها ، وثبت في الطب النفسي أن شهوة المرأة أضعاف شهوة الرجل ، وتدفعها دفعا للزنى إن لم تحذرها ، وإن كان الحياء قد ركّب في المرأة ، وهو مع ذلك إعلان عمّا يدور داخلها من صراعات جنسية تفلح في كبتها ، وتظهر آثارها عليها في احمرار الوجه وتلعثم اللسان واضطراب المشية ، فإذا ذهب عن المرأة حياءها فإنها تستغنى عن السمعة والشرف ، وتسرف في الانحلال والتفريط في نفسها . ولهذا قدّمت الآية الزانية على الزاني . والجلد للزنى أشد من الجلد لتعاطى الخمر ، وجلد شارب الخمر أشد من جلد القذف . وجلد الزاني أو الزانية مؤلم ولكنه لا يجرح ولا يبضع ، ويكون في الظهر قائما .