أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ
( 154 ) ( الأنعام ) ، وفي قوله :
أَنْزَلَ الْكِتابَ الَّذِي جاءَ بِهِ مُوسى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ
( 91 ) ( الأنعام ) . فما حكاية هذا التناقض ؟ ولما ذا يهجو اليهود ومع ذلك يعلو بكتابهم التوراة إلى السماكين ؟
* * *
482 . التوراة والقرآن والتناقض بينهما
يقول اللّه تعالى عن القرآن واعتباره للتوراة :
مُصَدِّقٌ لِما مَعَهُمْ
( 89 ) ( البقرة ) ، و
مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ
( 92 ) ( الأنعام ) ، و
مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ
( 41 ) ( البقرة ) ، و
مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ
( 48 ) ، يعنى أنه - أي القرآن - يصادق على كل ما سبقه من الكتب السابقة عليه وهي التوراة والإنجيل ، ومصادقته على ما كان منها قد أوحى به اللّه تعالى ، وأما غير ذلك فيصادمه ولا يصادقه ، ومن ذلك قوله تعالى :
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ
( 15 ) ( المائدة ) يعنى أنه قد جاء يبين ما بدّلوه وحرّفوه وأوّلوه وافتروا على اللّه فيه ، ويسكت عن كثير مما غيّروه ولا فائدة في بيانه . فتلك واحدة ؛ والثانية : أنه جاء مصادقا للتوراة
وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ
( 48 ) ( المائدة ) ، يعنى أن القرآن أمين على مضمون التوراة ومؤتمن عليه ، فما وافق القرآن من التوراة أو الأناجيل فهو حق ، وما خالفه فهو باطل ، فالقرآن حاكم على هذين الكتابين ، لأنه أي القرآن - آخر الكتب ، وخاتمها ، وأشملها ، وأكملها ، فجمع اللّه فيه محاسن ما قبله ، وزاده من الكمالات ما ليس في غيره ، ولهذا جعله مهيمنا ، أي شاهدا وأمينا وحاكما عليها كلها ؛ والثالثة : أن القرآن نزل ليصحّح غلو اليهود والنصارى ، يقول :
يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ
( 171 ) ( النساء ) ، فاليهود غلوا في دينهم بأن جعلوه خاصتهم ، وزعموا أن اللّه اصطفاهم في الأول ، وسيظل هذا الاصطفاء لهم حتى لو ضلوا ، وأنهم لذلك في الجنة وإن أفسدوا ؛
وَقالَتِ النَّصارى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ
( التوبة 30 ) ، و
قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ
( المائدة 73 ) ، وقال القرآن :
إِنَّمَا اللَّهُ إِلهٌ واحِدٌ سُبْحانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ
( 171 ) ( النساء ) ، فلفت إلى كفرهم وحاجاهم ، وقال :
لِمَ تَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ
( 70 ) ( آل عمران ) وقال :
لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْباطِلِ
( 71 ) ( آل عمران ) ، وقال في اليهود .
وَمِنْ أَهْلِ الْكِتابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينارٍ لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا ما دُمْتَ عَلَيْهِ قائِماً ذلِكَ بِأَنَّهُمْ قالُوا لَيْسَ عَلَيْنا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ
( 75 ) ( آل عمران ) ، وقال فيهم وفي النصارى :
وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتابِ وَما هُوَ مِنَ الْكِتابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَما هُوَ مِنْ عِنْدِ