تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 432

مساهمون:

ص٤٣٢
لبعض الفلاسفة : من أين تأكل ؟ فقال : الذي خلق الرّحى يأتيها بالطحين ، والذي شدّق الأشداق ( يعنى جوانب الفم ) هو خالق الأرزاق - وقيل لبعض العارفين : من أين تأكل ؟ فقال : سبحان اللّه واللّه أكبر . إن اللّه يرزق الكلب ، أفلا يرزقني ؟ ! - وقيل للصوفى الكبير حاتم الأصم : من أين تأكل ؟ فقال : من عند اللّه . فقيل له : اللّه ينزل لك دنانير ودراهم من السماء ؟ فقال : كأن اللّه ليس له إلا السماء ؟ ! يا هذا - الأرض له ، والسماء له ، فإن لم يؤتنى رزقي من السماء ساقه لي من الأرض ، وأنشد :
وكيف أخاف الفقر واللّه رازقى * ورازق هذا الخلق في العسر واليسر
تكفّل بالأرزاق للخلق كلهم * وللضّب في البيداء والحوت في البحر
والمشكلة أن الإنسان يسرق رزق أخيه الإنسان ، وأن الرأسمالى يحصل على رزقه ويستولى على أرزاق الآلاف غيره ، يسرقهم بخسف الأجور ، وتسرقهم الدولة المستبدة بترسيخ سوء توزيع الثروة الاجتماعية ، وعلى العكس تتدخل الحكومات الديموقراطية بالتشريعات لحماية الحقوق وتقريب الفوارق في الدخول ، وإلا اختل الميزان الاجتماعي ، ومال العدل عن القصد ، وساد الجور والظلم ، وعمّ الفساد ، واللّه يقول :
وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ
( 9 ) ( الرحمن ) ، أي : اجعلوا « العدل أساس الملك ، وأساس علاقاتكم الاجتماعية ، وأتوا الناس ما يستحقونه وجعله اللّه لهم رزقا ، ولا تبخسوهم منه شيئا ، وزنوا بالقسطاس المستقيم » . * * *

480 . في معنى قوله تعالى « يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ ( 31 ) »

يكثر المستشرقون من نقد القرآن من خلال آيات كهذه الآية :
يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ
( 31 ) ( المدثر ) ، وتتكرر في القرآن سبع عشرة مرة ، ويقوم نقدهم على أن القرآن متناقض فهو ينسب الضلالة والهدى للّه ، ومع ذلك يخيّر الناس أن يضلوا أو يهتدوا . والآية لا تعنى أن اللّه يضل أو يضلّل الناس عن هداه ، ويهديهم عن هواه ، أو أنه تعالى يجبر من يضلّ أو يضلّل ، على الضلال ، ويقسر من يهدى على الهدى ، أو أنه يكره الناس على سلوك سبيل الخير أو الشر ، فالإكراه من هذا القبيل ينافي العدل الإلهى ، ويناقض حكمة التشريع السماوي ، ولا يتفق مع نصوص الشريعة المتواترة القاطعة ، ومؤدّاها أن كل الناس لهم حق الاختيار ، وأنهم يملكون إرادتهم ، ولهم مشيئتهم ، والإرادة والمشيئة مناط التكليف والمؤاخذة ، وفي ذلك يروى أن رجلا سأل علي بن أبي طالب : أكان سيرك إلى الشام - يعنى لقتال أهلها - بقضاء اللّه وقدره ؟ فقال له علىّ : ويحك ! لعلك ظننت قضاء لازما ،