تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 408

مساهمون:

ص٤٠٨
مخاطباته للناس قصيرة موجزة تناسب أفهامهم ، لأن ثقافتهم كانت ثقافة بدوية ، وحضارتهم كانت حضارة وثنية متخلّفة ، بينما كان الناس في المدينة أهل كتاب غالبا ، ولهم دراية بالتوحيد ، وأصحاب تشريعات وفلسفة ، وثقافتهم ثقافة عبرانية غالبا ، فكان على محمد صلى اللّه عليه وسلم أن يرتقى إلى مستواهم ، وأن يخاطبهم بما ينبغي لهم ، فهذا هو سبب اختلاف أسلوب السور المدنية عن السور المكية . وهذا غير صحيح ، فهناك سور طويلة مكية مثل سورة : الأنعام والأعراف والكهف ، فليست كل السور المكية قصيرة ، وكذلك ليست كل السور المدنية طويلة ، فالنصر مثلا مدنية ، وقيل إنها آخر سورة مدنية ، وآياتها ثلاث آيات فقط ! وبعض السور المكية فيها من الروح العامة من السور المدنية ، وأيضا فإن الروح المكية تنضح في بعض السور المدنية ، لأن الصلة معقودة بين السور هنا وهناك ، والتناسب كذلك مطلوب فيهما ، فكل سورة لها مقاصدها وما يناسبها من الأسلوب ، بحسب موضوعاتها ، والمهم أن القرآن على طوله ، عبارة عن سلسلة متصلة الحلقات من الآيات والسور المحكمة ، كالعقد ، حبّاته هنا أو هناك تكون أصغر أو أكبر لتكوّن معا في النهاية نظما متكاملا متناسقا رضيا . ثم إن القصر في السور ليس دليل انحطاط ثقافى ، وإنما مظهر إيجاز لا يتوفر إلا لقوم يمتازون بالذكاء والفهم ، كما أن التطويل مظهر إطناب لا يقصد به إلا أن يفهم الذين يتأبّون على الفهم ويستعصى عليهم الإدراك بسرعة . واليهود في التوراة يميلون إلى التطويل ، واشتكى أنبياؤهم من شدّة غبائهم وعنادهم وجحودهم ، وحاجتهم إلى الشرح الكثير ، والتفسير المطنب ، ولو كان أهل المدينة أذكى من أهل مكة ، فلما ذا لم يستطيعوا أن يأتوا بمثل سورة من القرآن أو حتى آية ، وقد أعيا ذلك أهل مكة منحطّى الثقافة ؟ ! * * *

453 . شبهة أن الشريعة كانت في المدينة بسبب اليهود

من أكاذيب المستشرقين أنه لولا وجود اليهود في المدينة لما كانت التشريعات التي حفلت بها السّور المدنية . ولو كان هذا صحيحا ، وكان لليهود هذا الأثر الإيجابى الإنشائى على الإسلام ، فلما ذا لم يكن لهم هذا الأثر على عرب المدينة ، وعلى عرب الجزيرة كلها قبل الإسلام ؟ ثم إن القرآن لم يأخذ منهم ، وإنما جاء لإصلاح ما هو قائم وفاسد عندهم ، سواء في العقيدة ، أو في التحليل والتحريم ، فكيف يستدين المصيب من المخطئ ؟ وكيف يرجع من هو على صواب إلى من هو على خطأ ؟ والأصل في الحضارات أنها تكون في بدايتها بسيطة وتؤكد على الكليات ، ثم تتفرع منها إلى الجزئيات والتفاصيل ، وهكذا كان الإسلام في مكة يهتم بالعقيدة ، ثم في المدينة استكمل التشريع ؛ وحتى وهو في مكة لم