تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 316

مساهمون:

ص٣١٦
لأنه ولد هكذا ، وعرف النصرانية بالوراثة ، ومعرفته باللّه خبرية ، كذلك اليهودي ، وكذلك المسلم ، وطالما أننا نتكلم عن الإسلام والقرآن ، فإن المسلم المقلّد دليله القرآن ، كقوله :
وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمنُ الرَّحِيمُ
( 163 ) ( البقرة ) ، وقوله :
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
( 1 ) ( الإخلاص ) ، وقوله :
لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى
( 8 ) ( طه ) وغير ذلك من الإخبار عنه تعالى وعن صفاته وأسمائه وأفعاله . فمعرفته باللّه تكون عن هذا الطريق ، ومن خلال التربية في البيت والتلقي على الأبوين . وهناك صنف آخر هم أهل النظر ، وهؤلاء طريقهم مختلف ، ويستدلون بالصنعة على الصانع ومعرفتهم جدلية ، أو يستدلون بالصانع على الصنعة ومعرفتهم قياسية . وأهل النظر من المسلمين على الزعم بأن طريقتهم هي المثلى ، فما أكثر الآيات التي تحضّ على التفكّر والتدبّر في القرآن ، كقوله :
أَ فَلا تَتَفَكَّرُونَ
( 50 ) ( الأنعام ) ، وقوله :
وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
( 191 ) ( آل عمران ) ، وقوله :
نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ
( 24 ) ( يونس ) ، وقوله :
لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ
( 176 ) ( الأعراف ) . وبقدر ما يشاهد هؤلاء ويرون ويفهمون من عظمة الخلق ، بقدر ما يعقلون عن عظمة الخالق ، وبقدر ما يقدّرون اللّه بالقياس على مخلوقاته ، واللّه موجود لا شك في ذلك ، فما كانت السماوات والأرض وما بينهما ، والشمس والقمر ، والفلك والأنعام ، والذكر والأنثى ، والإنسان والبيان ، والموت والحياة ، والزروع والنبات ، والحيوان والطير ، والجبال والسحاب والمطر ، والماء والعيون ، والأنهار والبحار ، والليل والنهار ، إلى آخر ما نعرف - وما لم نعرف - ما كان كل ذلك باطلا ، ولم يوجد في الكون عبثا ، وما كان هذا المخطّط الكبير للكون إلا ووراءه مخطّط ، وما كانت له كل هذه العمارة إلا لأنه مهندس كبير بتعبير العصر ، فاللّه موجود ، وهو واحد وإلا لاختلف الآلهة وتصارعوا ، ودلائل وجوده ووحدانيته وصفاته كلها فيما حولنا ، وما تحتنا ، وما فوقنا ، وما يحيط بنا من كل جانب ، فلا سبيل إلى إنكاره تعالى ، أو تجاهل صفاته ، فالذي خلق هو خالق ، والذي أوجد هو واجد ، والذي يرزق هو رازق وهكذا . وأهل النظر إذن : هم طبقة أرقى وأعلى وأسمى ، ومنهم من يبلغ تفكيرهم إلى الذرى ، فينزّهون اللّه عن كل اللواحق ، كقوله :
لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ( 3 ) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ
( 4 ) ( الإخلاص ) ، وهؤلاء صنف ثالث هم أهل التنزيه ، والنصارى ليسوا منهم لأن تفكيرهم أدنى من أن يتسامق بهم ، فهم ماديون يكتفون بما يشاهدون ثم يلجئون إلى التأويل ، ويتوهون في الخرافات والخزعبلات والتلفيقات ، وكذلك اليهود ، هم أهل ماديات ، وليست عبادتهم للعجل إلا كرمز للمادة ؛ والمادة جعلوها مجالهم واختصاصهم ، فانتهوا إلى أن عبدوا أنفسهم واعتقدوا أنهم أولاد اللّه ، وشعبه المختار ،
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 316 | عبد المنعم الحفني