ينتهى بها حديث الآخرين له ، ويحاكى المتعاملين معه ، وينكص أن تكون له مبادأة ، أو أن يبدي امتعاضا أو عدم رضا ، أو أن يدخل في نزاع أو جدال مع أىّ من كان ، وكذلك المصاب بالصرع .
والشخصيتان - الهيستيرية والصرعية - تبديان الكثير من الجبن ، وعواطفهما متقلبة ، ومزاجهما سريع التغيّر ، ويتميزان بالأنانية المفرطة ، ويتصرفان طلبا للحماية ممن حولهما .
وكل ذلك بعيد عن شخصية النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، فلم يكن من السهل استغضابه ، ولم يعرف عنه أنه يتابع أحدا ، وهو - كنبىّ - صاحب رسالة وديانة ، واشتهر برحابة صدره ، وقوة فهمه ، وسعة أفقه ، ومحبة من يعاشره ، ودماثة خلقه ، حتى وصفه عالم الاجتماع الأشهر « ماكس فيبر » بأنه شخصية كاريزمية نموذجية ، أي شخصية محبوبة ومطلوبة من الآخرين ، فقد كان حدبه وعطفه على الناس شديدين ، ونبّه إلى ذلك القرآن فجاء به :
وَما أَرْسَلْناكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعالَمِينَ
( 107 ) ( الأنبياء ) ، وقال :
مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ
( 29 ) ( الفتح ) ، كما قال :
أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكافِرِينَ
( 54 ) ( المائدة ) ، وهذه صفة الإنسان الكامل لا الإنسان المريض : أن يكون شديدا على الكفار ، رحيما بالأخيار ، عبوسا في وجه الكافر ، بشوشا في وجه المؤمن ، كما قال القرآن :
وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
( 123 ) ( التوبة ) ، وكما قال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم نفسه : « مثل المؤمنين في توادّهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد ، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر » ، وفي الصحيح : « المؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا » وشبك بين أصابعه . فهل هذا سلوك أو كلام مريض بالهستيريا أو بالصرع ؟ ! ولقد عهدنا في هذين النوعين من الأمراض أن المصاب بأيهما يصاب كذلك بالعجز الجنسي ، ولم يحدث أن كان هناك مريض يشكو أيا من المرضين ويستشعر الغلمة ، أو يأتي النساء على طريقة الغليم - وهو المفرط في الجنس أيّما إفراط ، فأيهما نصدّق : أنه غليم كما يقول شبرنجر ، أم أنه هستيرى أو مصروع وإذن مصاب بالعنّة أو العجز الجنسي كما يقضى بذلك العلم ؟ وكانت الحياة الجنسية للرسول صلى اللّه عليه وسلم عادية وطبيعية ، فلا هو المقلّ المقصّر ، ولا هو المفرط المكثر ، وإنما هو بين بين ، ولم تشك منه أىّ من زوجاته في هذه المسألة بالذات ، ولم يصدق أبو سفيان عندما وصفه بأنه فحل ، عندما نما إليه الخبر أنه تزوج ابنته أم حبيبة التي كانت مهاجرة إلى الحبشة ، فكيف يكون فحلا وهو لم ير أم حبيبة ولا عاشرها وكانت في الحبشة وهو في المدينة ؟ ! ! وكذلك لم يصدق أنس بن مالك عندما قال عنه إن له في الجنس قوة ثلاثين رجلا ! ! والأول كان عدوه ، والثاني كان شابا لم يخبر الدنيا وظن أنه ينصف نبيّه لو ذكر عنه ذلك ، إعمالا لما نعرفه في الطب النفسي باسم عبادة البطل ، وأما عائشة فكانت تقول إنه لم يكن يستكثر منها ، وقالت أم سلمة نفس الشيء ، فأين هو الإفراط أو التفريط ؟ ! !