تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 233

مساهمون:

ص٢٣٣
بالصرع ، وخطّأ هذا التشخيص ، لأنه في الصرع لا يكون المريض في وعيه أثناء النوبات كما كان الحال مع النبىّ صلى اللّه عليه وسلم . ومن الجلىّ أن تشخيص شبرنجر للحالة كان هو نفسه تشخيص اليهود لها زمن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وفي ذلك قال القرآن :
ما زاغَ الْبَصَرُ وَما طَغى
( 17 ) ( النجم ) ، وقال :
وَما هُوَ بِقَوْلِ شَيْطانٍ رَجِيمٍ
( 25 ) ( التكوير ) فنفى أن يكون ما رآه محمد هو من زيغ البصر الذي يشاهد عليه مرضى الصرع ، أو أن يكون ذلك لأنه مجنون ، أو لأنه مسحور ، توحى إليه الشياطين ، ونتساءل : فهل من المعقول أن مريضا يعاني الصرع أو الجنون أو السحر يتكلم بمثل ما يتكلم به في القرآن عن نفسه هكذا ؟ وهل يمكنه أن يصف ما يحدث له أثناء النوبة بهذا الوضوح ؟ فليس هكذا يكون المصروع ولا مريض الهيستريا ، وقد دفع ذلك مستشرقا مثل بول فرانتس أن يرفض هذه الأحكام ، وأن يصفها بأنها سطحية ومتعجّلة ، ويؤكد أنه لا المصروع ولا الهيستيرى يمكن أن يدمن العادة السرية ، ولا أن يتلو قرآنا بعد النوبة ، أو يتكلم بالأحاديث النبوية ، ولم يعرف عن محمد إلا الخلق القويم ، والشخصية المثالية ! ولا مندوحة إذن أن نقر بأن هذه النوبات كانت نوبات وحى فعلا وليست نوبات مرض ، وأن نحذر روايات المؤرخين من المسلمين ، فلربما تكون لهم أغراض من رواياتهم المشينة كأغراض سلمان رشدى ، وربما كانوا من المنافقين ولم يكن إسلامهم حقيقيا ، ويبدو أن اتهام محمد بالصرع أو الهستيريا أو المرض النفسي عموما قد انتهى أمره بعد الحرب العالمية الثانية . ولم يكن من المناسب أصلا أن يغالى الصحابة في وصف أحوال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم عند نزول الوحي ، وقد ربطوا نزول جبريل - وهو حدث غير عادى - بظواهر غير عادية تأتيه صلى اللّه عليه وسلم ، مع أن الأمر كان عاديا وطبيعيا ، فهل من غير الطبيعي أن ينضح العرق من جبينه في اليوم البارد عندما تنتابه هذه الحالة الانفعالية المصاحبة لظهور الوحي ؟ وإنه لأمر طبيعي وعادى جدا أن يصحب انشغال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالوحي أن تضطرب للحدث جوانبه ، وأن يأتيه مثل صلصلة الجرس في أذنيه ، وهي ظاهرة معروفة عند الأسوياء ، وتأتى الكثيرين منهم في حالات الاهتمام الشديد . ومن الاصطلاحات المعروفة عند المشتغلين بالطب النفسي ما يعرف باسم تاريخ الحالة ، ولم يصلنا من أي من المؤرخين ، أن محمدا قبل البعثة كانت تأتيه نوبات هستيريا أو نوبات صرع ، وعلميا فإن هذه النوبات إذا كان لها أن تظهر فموعدها منذ الطفولة ، وتظهر جلية في الشباب ، وليس موعدها السنوات بعد الأربعين حينما واتته البعثة ! ! ولا يصلح الهستيرى ولا المصروع البتة لقيادة جماعة ، ولا لإصدار الأحكام ، ولعل أهم سمة للهستيرى أنه استهوائى من السهل التأثير عليه ، وهو كثير الترديد للكلمات التي