تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 189

مساهمون:

ص١٨٩
في واقع الأمر ، زوجة وأم ، والزوجة الأم هي مطلب أمثال النبىّ صلى اللّه عليه وسلم الذين يحرمون من أمهاتهم في سن التكوين ، أي بين الرابعة والثامنة من العمر ، ورسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم توفيت أمه وهو في السادسة ، وتوفى أبوه وأمه حامل فيه ، أو وهو ابن شهرين ، وقيل ابن ثمان وعشرين شهرا ، أي في السن التي يفتقد الطفل فيها أمه ، بشدة أكثر من افتقاده لأبيه ، ويظل به المنزع أن يتعامل مع كل امرأة كبيرة تبدى العطف عليه كأنها أمه . ومن ذلك أن الدكتور القوصى عالم التربية النفسي الكبير ، يقصّ عن نفسه أنه كان لا يدرى كلما دعى إلى اجتماع وكانت فيه سيدات ، يختار أن يجلس إلى جوار أكبرهن سنا ، التي تظهر احتشاما في لبسها ، وتؤثر اللون الأسود في ثيابها ، وتبين له مع استمرار تحليله لمواقفه ، أنه يفعل ذلك لأنه في أعماق نفسه يرفض الإقرار بأن أمه قد ماتت ، وكانت كبيرة السن ، ومحتشمة ، وتؤثر السواد في لباسها ، وكان موتها في صغره ، فافتقدها ، وكأنه بجلوسه إلى جوار السيدات كبيرات السن ، المحتشمات ، المتّشحات بالسواد ، يطمئن نفسه بأن أمه - وإن كانت قد توفيت في الواقع - فإنها في الحقيقة تعيش في وجدانه ، وفي ذهنه ، ولا تفارقه صورتها . وعلماء النفس يطلقون على ذلك اسم الحضور النفسي ، وشبيه به برهان يوسف الذي رآه لما همّ بامرأة فرعون وهمت به ، وبرهانه هو صورة أبيه يعقوب عليه السلام ، وكان يأخذه بالتربية المثلى ، ويتعهده بالتعليم الحىّ . وكانت خديجة بمثابة الأم الرءوم للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وبها تعود أمه إلى الحياة - متمثلة في هذه السيدة الفاضلة ، ولما تزوّجها وقصّ عليها قصته مع الوحي ، ورأته وقد ارتج عليه من الخوف ، وارتعدت فرائصه ، سارعت إليه وأدخلته بينها وبين درعها ، وأجلسته على فخذها ، وهدأت من روعه فقالت : اللّه يرعانا يا أبا القاسم ! أبشر يا بن عم وأثبت ، فالذي نفس خديجة بيده ، إني لأرجو أن تكون نبىّ هذه الأمة ، واللّه لا يخزيك اللّه أبدا ! إنك تصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكلّ ، وتقرى الضيف ، وتعين على نوائب الحق » . وكانت أول من آمن به ، وبيتها أول بيت في الإسلام ، وجزاء ذلك بشّرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ببيت في الجنة ، فعوّضها اللّه به عن بيتها ، على غرار الحديث : « من كسا مسلما على عرى كساه اللّه من حلل الجنة ، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه اللّه على الرحيق » ، ويذكرها رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بعد موتها ويردّ غيبتها فيقول : « واللّه ما أبدلنى اللّه خيرا منها ! آمنت بي حين كذّبنى الناس ، وآنستنى بمالها حين حرمنى الناس ، ورزقت منها الولد وحرمته من غيرها » . وتروى السيدة عائشة في ذلك أنها لما اغتابت خديجة ، وسمعته يزجرها بهذه الحدّة ، أمسكت وهي تقول في نفسها : « واللّه لا أذكرها بعد ذلك أبدا » . وقال لها يومها : « إنها كانت وكانت ، وكان لي