تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 173

مساهمون:

ص١٧٣
اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمنِ عَهْداً
فيه أن العهد هو الشفاعة ، وأنه تعالى قد وعد البعض أن يكونوا شفعاء للناس ، وهؤلاء هم الأنبياء والعلماء والمكرمون ، وفي الحديث : « لا أزال أشفع حتى أقول يا ربّ شفّعنى فيمن قال : لا إله إلا اللّه محمد رسول اللّه ، فيقول : يا محمد ! إنها ليست لك ولكنها لي » ، أي أن الشفاعة لا تكون إلا لمن يأذن له اللّه ، كقوله تعالى :
وَلا تَنْفَعُ الشَّفاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ
( 23 ) ( سبأ ) ، فمقام الرسول صلى اللّه عليه وسلم المحمود - بحسب ذلك - هو هذه الشفاعة المأذون بها له . وغالى بعض المفسرين في معنى المقام المحمود ، حتى قالوا هو أن يجلس اللّه تعالى محمدا على كرسيه ! ! ! وهذا أغرب التفاسير ، لأن إقعاد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم على عرشه تعالى لا يوجب له ربوبية ولا ينزع عنه عبودية ! ! ! والصحيح في كل ما سبق : أن المقام المحمود هو الرتبة والمنزلة والحظوة والدرجة الرفيعة ، وليس العرش والجلوس عليه . ولا يعقل أن تكون صلاة الليل ، كما في الآية السابقة على آية المقام المحمود ، سببا لأن يكون للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم المقام المحمود بمعنى الشفاعة . وأما الآية اللاحقة على آية المقام المحمود ، وهي :
وَقُلْ رَبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطاناً نَصِيراً ( 80 ) وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
( 81 ) ( الإسراء ) فهي عبارة عن دعاء أن يميته اللّه إماتة صدق ، ويبعثه يوم القيامة مبعث صدق ، وبذلك يتصل المعنى بقوله تعالى :
عَسى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقاماً مَحْمُوداً
( 79 ) ( الإسراء ) ، فلما وعده ذلك ، أمره أن يدعو لينجز له الوعد . والمدخل والمخرج الصدق هما أن يدخله في المأمور ويخرجه من المنهى ، أو هو بالمعنى المادي التاريخي : خروجه من مكة يوم الهجرة ، ودخوله يوم الفتح آمنا ؛ وأصحّ من ذلك متوافقا مع معاني الآيتين : أن المقام المحمود هو أن يكرمه بإتمام النبوة عليه وذلك هو مدخل الصدق ، ويكرمه عند موته وبعثه يوم النشور ، وذلك هو مخرج الصدق ، على ذلك فالمعنى الإجمالي للمقام المحمود هو كقوله :
أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبارَكاً
( 29 ) ( المؤمنون ) . ومن المقام المحمود أن يجعل له نصيرا ، أي حجة ثابتة ، أو أن يؤتيه النصر والعزّ ، ولذا كان قوله بعدها مباشرة :
وَقُلْ جاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْباطِلُ إِنَّ الْباطِلَ كانَ زَهُوقاً
( 81 ) ( الإسراء ) . فذلك إذن هو المقام المحمود بحسب السياق القرآني وليس من ذلك شئ عن الشفاعة . * * *

223 . قوله صلى اللّه عليه وسلم رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ

( 112 ) ( الأنبياء ) كان الأنبياء يقولون :
رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ
( 89 ) ( الأعراف ) ، وأمر نبيّنا أن يقول
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
( 112 ) ( الأنبياء ) ، فكان إن لقى العدو يقول - وهو يعلم أنه على الحق وعدوه على الباطل
رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ
- أي اقض به . * * *
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 173 | عبد المنعم الحفني