191 . ما كان يدرى من قبل ما الكتاب ولا الإيمان
الأنبياء معصومون قبل النبوة من الجهل باللّه وبصفاته ، وبالتشكّك في شئ من ذلك . والآثار والأخبار تتعاضد بتنزيههم عن هذه النقيصة منذ ولدوا . ونشأة كل الأنبياء على التوحيد والإيمان ، وإشراق نور المعارف ، ونفحات ألطاف اليقين . ومن يطالع سير الأنبياء منذ صباهم إلى مبعثهم يتحقق من ذلك ، وهو ما عرفناه من أحوال إبراهيم ، وموسى ، وعيسى ، ويحيى ، وسليمان ، فقال تعالى في يحيى :
يا يَحْيى خُذِ الْكِتابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا
( 12 ) ( مريم ) ، أي أن يحيى أعطى العلم باللّه منذ صباه ، ووصفه فقال :
مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ
( 39 ) ( آل عمران ) ، يعنى أنه صدّق بعيسى وهو ما يزال صبيا ؛ وقال تعالى في عيسى أنه كلّم أمه لما ولد ، قال :
وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي
( 7 ) ( القصص ) ، وقال :
إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتانِيَ الْكِتابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا
( 30 ) ( مريم ) ، وقال في سليمان وكان صبيا :
فَفَهَّمْناها سُلَيْمانَ وَكُلًّا آتَيْنا حُكْماً وَعِلْماً
( 79 ) ( الأنبياء ) ، وأما إبراهيم فقد ألقى في النار وهو ابن ست عشرة سنة ، وإسماعيل ابتلى بالذبح وهو صبي يافع ؛ وكان استدلال إبراهيم بالكواكب والشمس والقمر وعمره خمس عشرة سنة ؛ وأوحى إلى يوسف وهو صبي .
غير أنه في هذه الآية :
وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ وَلكِنْ جَعَلْناهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشاءُ مِنْ عِبادِنا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ ( 52 ) صِراطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ
( 53 ) ( الشورى ) قد يظن أن الله تعالى قد نفى أن يكون نبيّنا صلى اللّه عليه وسلم كان يدرى شيئا عمّا يكون معنى أن يتنزل كتاب من عند اللّه ، أو معنى الإيمان باللّه ، فهل كان هذا صحيحا ؟ وهل النبىّ صلى اللّه عليه وسلم وحده بين الأنبياء الذي لم يكن يدرى ذلك ؟ والمتأمل لسيرة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم لا يجد أن ذلك حق ، والنبىّ صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لمّا نشأت بغّضت إلىّ الأوثان ، وبغّض إلىّ الشعر ، ولم أهمّ بشيء مما كانت الجاهلية تفعله إلا مرتين ، فعصمنى اللّه منهما ثم لم أعد » . فلم يحدث في كل ما رمته به قريش من تهم وأكاذيب ، أن قال واحد منهم أن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم كان يصلى معهم يوما إلى الأصنام ، ولو كان قد فعل ، لكانوا أول من يبادرون إلى إعلانه وتعييره به . فبما ذا كان يتعبّد النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إذن في الجاهلية ؟ والجواب من السيرة النبوية ، فلم ينسب النبىّ صلى اللّه عليه وسلم إلى واحد من الأنبياء كموسى وعيسى ، بحيث يكون من أمته ، ولا سجد لصنم ، ولا أشرك باللّه ، ولا زنى ، ولا شرب الخمر ، ولا كانت له مع المشركين مسامرات وسهرات ، ولا حضر حلفا من أحلاف الجاهلية ، كحلف المطر ، وحلف المطيبين . فبما ذا إذن كان يؤمن قبل