تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
وعن ابن شهاب : « من لم يتغن بالقرآن فليس منا » ، أو « ليس منا من لم يتغن بالقرآن » . والتلاوة خلاف التغنّى ، فالتلاوة تجويد . والتغنّى بالقرآن : هو أن تجوّده وتتلوه بصوت جهير حسن ، قيل يتحزّن به . وقيل : التغني بالقرآن : هو أن تقوم عليه وتتشاغل وتتلذذ به وتستحلى له ، كما يلتذ أهل الطرب بالغناء ، وتجعله هجيراك ، أي دأبك وعادتك ، كما يجعل المسافر والفارغ هجيراه الغناء . والعرب كانوا إذا ركبوا الإبل ، أو جلسوا في أفنيتهم تغنّوا . فكأن التغني هو الحثّ على ملازمة القرآن ، وقد يعنى التغنّى : الاستغناء بالقرآن ، بأن نصدّق بما فيه ونؤمن به ، ولا نصدق أو نؤمن بغيره . والتغنّى قد لا يستطيعه كل الناس ، وعندئذ يكون معناه أن نرتاح لقراءته ، ونسكن لسماعه من الآخرين يتغنون به . والتغنّى : أن نغتنى به نفسيا ونقنع . وكان الشافعي يحب أن يقرأ القرآن حدرا وتحزينا . وفي اللغة حدرت القراءة أدرجتها ولم أمططها ، والتحزين ترقيق الصوت وتصييره كصوت الحزين يرقّق القلوب . والشافعي على الرأي بأن التغنّى هو تحسين الصوت . * * *

172 . ما هو حسن الصوت في القراءة ؟ وما هو الترنّم بالقرآن ؟

عند الطبري عن ابن شهاب قال : « قد أذن للنبىّ صلى اللّه عليه وسلم بالترنّم » ، والترنم لا يكون إلا بالصوت إذا حسّنه القارئ وطرب له . وعند ابن ماجة والحاكم وابن حبان عن فضالة بن عبيد قال : « اللّه أشد أذنا - أي استماعا - للرجل الحسن الصوت بالقرآن ، من صاحب القينة إلى قينته » ، والقينة هي المغنية . وعند أبي داود ، من طريق ابن أبي مسجعة ، قال : كان عمر ابن الخطاب يقدّم الشاب الحسن الصوت لحسن صوته بين يدي القوم » . وعند ابن أبي شيبة من حديث عقبة بن عامر ، قال : « تعلّموا القرآن ، وغنوا به وأفشوه » ، والتغنّى هو الترجيع بالصوت . وربما التغني بمعنى تكلّف القرآن ، أي نطلبه ونحمل أنفسنا عليه ولو شق ذلك علينا . ويؤيد ذلك قوله صلى اللّه عليه وسلم في حديث سعد بن أبي وقاص عند ابن عوانة : « فإن لم تبكوا فتباكوا » ، وقيل من يقرأه ويرفع صوته فقد تغنى . وعن عبيد بن عمير قال : « كان داود عليه السلام يتغنّى - يعنى حين يقرأ - ويبكى ويبكى » . وعن ابن عباس : أن داود كان يقرأ الزبور بسبعين لحنا ، ويقرأ قراءة يطرب منها المحموم ، وكان إذا أراد أن يبكى نفسه ، لم تبق دابة في بر ولا بحر إلا أنصتت له واستمعت وبكت » وفي الحديث : « إن أبا موسى أعطى مزمارا من مزامير داود » . والحاصل أنه يمكن الجمع بين هذه التأويلات كلها ، وهو أن يحسّن صوته إذا قرأ ، جاهرا به ، مترنما على طريق التحزّن ، مستغنيا بالقراءة ، طالبا بها غنى النفس ، وراجيا غنى اليد . والنفس أكثر طلبا للقراءة
موسوعة القرآن العظيم — صفحة 138 | عبد المنعم الحفني