منه ، وكلاهما كلام بشر ، وأما كلام القرآن فالبلاغة فيه في القمة ، ولا تدانيها بلاغة بشر ، ولو كان الكلامان صادرين عن محمد لكان له أسلوبان مختلفان ينبئان بشخصيتين مختلفتين ، ومزاجين متباينين ، وثقافتين متباعدتين ، وذلك هو المحال .
* * *
148 . القرآن وروح العصر : فرية أن القرآن يمثل روح عصره أصدق تمثيل
المستشرقون اليهود والنصارى ، والمستشرقون الجدد من المسلمين المثقفين ثقافات غربية ، ومن دعاة التنوير والعلمانية والعولمة إلخ ، هؤلاء هم الذين يفترون هذه الفرية ، وهم ملاحدة أصلا ، وفي زعمهم أن القرآن هو الأثر الوحيد الباقي من عصره ، وأنه انعكاس لكل ثقافة ذلك العصر ، يريدون بذلك أنه نبتة طبيعية للعصر وليس فيه شئ من الوحي ، ولم يوح به لمحمد ، وإنما ما به من نظرات ونظريات ، ومعلومات ومعارف ، وحكم ومأثورات ، جميعها من إملاء العصر . والرّد على هؤلاء : فلما ذا إذن لم يؤمن أهل هذا العصر به ؟ ولما ذا كذّبوا محمدا وهو لم يفعل - في زعمهم - إلا أن جمع التراث ، وحشد مفرداته ، وترجم عنه أصدق ترجمة كما ادّعوا ؟ ولما ذا حرصوا على تبهيته وتكذيبه ، وافتروا أن ما جاء به القرآن هو من تعاليم بحيرا الراهب أو غيره ؟ ولم يردعهم أن بحيرا وغيره لا يعرفون العربية ، وألسنتهم ودياناتهم أعجمية ، فهل الذي يقول بالإسلام يكون قد سرق ، أو سطا ، أو استعار ، أو استفاد من مفردات لغات غريبة ، وديانات عجيبة ، مغايرة للإسلام كل المغايرة ؟ وتتأبّى طبيعة هذه الديانات وتلك اللغات أن تكون مصدرا لهدايات القرآن وأسلوبه البليغ وتعبيراته المتسامية ، ولنقارن بين فصل من فصول أي من الكتب المشهورة كأسفار موسى ، أو أسفار العهد القديم أو الجديد ، لنرى الاختلاف في التعاليم ، وفي المنهج ، وفي اللغة والأسلوب ، وأجملها القرآن جميعها في وصف واحد فذكر أنها جهالات وضلالات ، وانبرى يصحّحها ويقوّم معوجها ، ونبّه إلى المنكرات فيها ، واستحث الناس أن يطرحوها عنهم ، وينبذوها من اعتقاداتهم .
ولو كان بحيرا الراهب أو الحدّاد الرومي جبرا ، أو سلمان الفارسي ، أو أي ممن افتروا أن محمدا تلقى عليه - هو مصدر كل هذه التعاليم في القرآن ، وكل هذه الأحكام والهدايات ، وهذا الفيض المعجز من الفلسفات والنظريات ، والمفاهيم والدلالات ، والأسماء والمعلومات ، لكان الأحرى أن يكون بحيرا أو سلمان ، أو غيرهما ، هو النبىّ ، وأن ينهض دون محمد بالرسالة ، وأن يندب لها أو ينتدب لها نفسه ! وهل كان من المعقول أن يحصّل محمد كل هذه المعارف ويصقل بها لسانه في هذا الوقت القصير ، وهو