روايتين : رواية ابن مسعود عن جن مكة ، ورواية ابن عباس عن جن نخلة . وقيل رواية ابن عباس عن أول مرة تستمع فيها الجن إلى قراءة النبىّ صلى اللّه عليه وسلم ، وأما رواية ابن مسعود فكانت القراءة فيها عند أحد الشعاب ولم يحضرها ابن مسعود ، والروايتان جميعا خرافات .
وسورتا الجن والأحقاف كلاهما مكية ، غير أن الجن تأتى أولا في التنزيل فهي أسبق من الأحقاف . وفي سورة الجن يأتي وصف القرآن وإيمان الجن وتنزيههم للّه ، ونقدهم لأقوال السفهاء فيه ، ولاستبعادهم لفكرة النبوة والأنبياء ، وتقسيمهم الجن إلى مؤمنين وكافرين ، وأنهم لما سمعوا القرآن أسلموا . وفي سورة الأحقاف وصف للقرآن بأنه مصدق لكتاب موسى ، ويبشّر بالتوحيد ، ويدعو إلى اللّه .
* * *
947 . ساعة العسرة وغزوة تبوك
الساعة مصطلح قرآني ، ومنه معنى الساعة الزمنية التي نعرفها ، كقوله تعالى :
لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا ساعَةً مِنَ النَّهارِ
( 45 ) ( يونس ) ، إلا أن المعنى الغالب في القرآن هو القيامة :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْساها
( 187 ) ( الأعراف ) . وأما « ساعة العسرة » : فهي غزوة تبوك ولم يرد بها ساعة معينة ، والمراد وقت العسرة ، أو أن ساعة العسرة هي أشد الساعات التي مرت بهم في تلك الغزاة . والعسرة صعوبة الأمر ، فقد اجتمعت على المسلمين عسرة الظّهر ، وعسرة الزاد ، وعسرة الماء ، ولم تكن لديهم ركائب فكانت الجماعة من المسلمين يخرجون على البعير الواحد يتعقّبونه بينهم ، وزادهم التمر المتسوّس ، والشعير المتغيّر ، والإهالة ( الشحم المذاب ) المنتنة ، وكان الواحد من النفر يخرج التمرة فيلوكها حتى يجد طعمها ، ثم يعطيها صاحبه حتى يشرب عليها جرعة ماء وهكذا ، حتى لا يبقى من التمرة إلا النواة . وفي ذلك أتى عن المهاجرين والأنصار :
الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي ساعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ ما كادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تابَ عَلَيْهِمْ
( 117 ) ( التوبة ) وعن عمر : أن ساعة العسرة كانت في تبوك ، وهي العطش الشديد حتى كان المسلمون يعصرون الفرث ( الزبل ) ليستخلصوا الماء ! وعن أبي هريرة : أن ساعة العسرة كانت مجاعة نزلت بالمسلمين الذين كانوا في غزوة تبوك . وسمّى لذلك جيش تبوك : جيش العسرة ، فقد كان المسلمون في حمارة القيظ ، فغلظ عليهم وعسر . ولم يكن النبىّ صلى اللّه عليه وسلم قد غزا من قبل في مثل هذا العدد من الغزاة ، ففي بدر كان المسلمون : ثلاثمائة وبضعة عشر ؛ ويوم أحد : كانوا سبعمائة ، ويوم خيبر :
كانوا ألفا وخمسمائة ؛ ويوم الفتح : كانوا عشرة آلاف ؛ ويوم حنين : كانوا اثنى عشر ألفا ؛ وفي غزوة تبوك : كانوا ثلاثين ألفا وزيادة ، وهي آخر مغازيه صلى اللّه عليه وسلم . وكان خروجه في