سبيلا ، فتوعّدهم ربّهم كقوله تعالى :
إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا
( الأعراف 152 ) ، وكان غضبه لأنهم افتروا بدعة العجل ، فقال لهم :
إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلى بارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بارِئِكُمْ فَتابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ
( 54 ) ( البقرة ) ، وقوله « بارئكم » تنبيه على عظم جرمهم ، وكانوا فريقين ، فريق تبع السامري ، وفريق تبع هارون ، والهارونيون كانوا لاويين ، أي كهنة ، وكانوا سبعين ، والذين تبعوا السامري ندموا ، فلما أمرهم موسى أن يقتلوا أنفسهم امتثلوا للأمر ، وقالوا نصبر ، ما ظلمنا اللّه ولكنا ظلمنا أنفسنا ، واخترطوا السيوف والخناجر والسكاكين ، ووقفوا صفوفا ، يقتل كلّ منهم من يليه ، وقد يكون أخا أو أبا .
وقيل إن السبعين الذين لم يشاركوا في صنع العجل ، ولم يتعبّدوا له ، أمروا أن يقتلوا المتعبّدين ، وتقبّل هؤلاء القتل إعلانا للتوبة ، وقيل سقط في ذلك اليوم نحو ثلاثة آلاف رجل ( الخروج 32 / 19 - 30 ) ، ولولا بكاء الأطفال وصراخ النساء لاستمر القتل ، إلا أن الجميع سألوا موسى أن يكفّ ، وكان عليهم أن يتوجهوا إلى الجبل ليستغفروا ربّهم ، كقوله تعالى :
وَاخْتارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقاتِنا فَلَمَّا أَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ قالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّايَ أَ تُهْلِكُنا بِما فَعَلَ السُّفَهاءُ مِنَّا إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِها مَنْ تَشاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشاءُ أَنْتَ وَلِيُّنا فَاغْفِرْ لَنا وَارْحَمْنا وَأَنْتَ خَيْرُ الْغافِرِينَ ( 155 ) وَاكْتُبْ لَنا فِي هذِهِ الدُّنْيا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ إِنَّا هُدْنا إِلَيْكَ قالَ عَذابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُها لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنا يُؤْمِنُونَ
( 156 ) ( الأعراف ) . وقيل لما أخذهم موسى إلى الجبل ظهر غمام دخل فيه موسى فلم يروه ، ثم شملهم الغمام ، وسمعوا موسى يكلم ربّه ، وقيل إنه استأذن ربّه أن ينظر إليه ، فقال له لا تستطيع ، لأنه لا يراني إنسان ويعيش ( الخروج 33 / 22 ) ، وفي القرآن عن ذلك قال :
رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاً فَلَمَّا أَفاقَ قالَ سُبْحانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ
( 143 ) ( الأعراف ) ، فكان موسى : أول من جرّب من بني إسرائيل ، ومن العالم قاطبة ، أن يطلب أن يرى اللّه ، وأن يصعق بنوره تعالى ، أي يغشى عليه . فلما سمع قومه محاوراته مع ربّه ظنوه قد رآه فطلبوا أن يروه كذلك يرجون أن يشهدوا ما ليس لتحققه سبيل ، كقول القرآن في ذلك :
يا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 55 ) ثُمَّ بَعَثْناكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
( 56 ) ( البقرة ) ، فردّهم اللّه تعالى ليستوفوا آجالهم ، وقيل ماتوا موت هود يعتبر به الغير ، ثم أرسلوا . والصحيح أن الثلاثة آلاف ماتوا لأنهم استحقوا الموت ، ولأنهم كفروا كفرانا