آشورية مغايرة لثقافة المصريين والعبرانيين . ولولا أنه آشورى لما طلبه الفرعون ليقتله ، ولما تجرّأ « مؤمن آل فرعون » على وعظه ، ولما استطاع الإفلات بنفسه منهم ، ولما تمكن من الهرب :
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
( 46 ) ( غافر ) . وليس في القصة أنهم طلبوا موسى وهارون ليقتلوهما ، وإنما كان طلبهم للذي آمن لأنه منهم . ولقد حاق بهم مكرهم . واصطلاح « العرض » الذي بالآية هو الذي نبّه إليه الرسول صلى اللّه عليه وسلم يشرح لعائشة الفرق بين حساب العرض وبين حساب يوم القيامة ، فحساب العرض إجمالى ، وحساب يوم القيامة تفصيلي ، وفي الحديث : « إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشى ، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة ، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار ، فيقال : هذا مقعدك حتى يبعثك اللّه إليه يوم القيامة » . وآل فرعون الآن في « العرض » حتى يوم القيامة ، فإذا كان يوم القيامة قال اللّه تعالى :
أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
( 46 ) ( غافر ) . ودليلنا على أن فرعون وآله كانوا من البدو الرعاة الرّحّل . أن الثالوث أو الثلاثة - أعداء موسى - كانوا : الفرعون ، وهامان ، وقارون ، وكلهم أغراب ، وأسماؤهم ليست مصرية ، كقوله تعالى :
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا مُوسى بِآياتِنا وَسُلْطانٍ مُبِينٍ ( 23 ) إِلى فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَقارُونَ فَقالُوا ساحِرٌ كَذَّابٌ
( 24 ) ( غافر ) ، ففرعون لم يكن اسما مصريا ؛ وقارون على وزن هارون ، فهو عبراني قحّ ، كقوله تعالى :
إِنَّ قارُونَ كانَ مِنْ قَوْمِ مُوسى فَبَغى عَلَيْهِمْ
( القصص 76 ) ، وهامان في التوراة اسم عيلامى ، من عيلام ، من الرعاة ، من سلالة عماليق ( إستير 3 / 1 ، و 9 / 24 ) ، وعماليق كانوا أعدى أعداء العبرانيين ، فكان هامان يبغضهم ، وأفصح عن كرههم في موسى ، وبيّن القرآن ذلك خير بيان ، وتحالف « فرعون - هامان - قارون » هو تحالف « السلطة والجبروت والمال » ، وتزعم بعض كتب التفسير العربية أن « مؤمن آل فرعون » هو « صاحب يس » ، وذلك خطأ ، لأن « قصة صاحب يس » ربما كانت مثلا كما في الآية :
وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحابَ الْقَرْيَةِ
( يس 13 ) ، ومن قال ذلك استدل بأن القرية قد أرسل إليها نبيان ، ولم يعرف عن إرسال نبيين إلا موسى وهارون ، غير أن ذلك مطعون فيه لأنهما لم يكن لهما ثالث كما في السورة :
إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا بِثالِثٍ
( يس 14 ) . وكذلك فإن « رجل يس الذي يسعى » ، أو كما يعرفه البعض باسم « صاحب يس » ، انتهى نهاية مأساوية وقتلوه ، وأما « مؤمن آل فرعون » فنجّاه اللّه كما سبق أن نوّهنا :
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا
( غافر 45 ) . وكان مؤمن آل فرعون مؤمنا عن حق ، لأنه فضلا عن إيمانه ، فقد أعلنه بعد كتمان ، ودعا إلى اللّه جهرة ونافح عن نفسه وعن موسى ؛ وحواره مع آل فرعون ،