على دعوته للتوحيد ، مجاملة ، فلما مات عادوا إلى كفرهم ، اعتقادا بأن النبوة حادثة لا تتكرر ، ولم يكن رفضهم لدعوة موسى إلا لأنهم ضلوا وأسرفوا في الضلال ، وارتابوا وأوغلوا في الارتياب ؛ وجادلوا في آيات اللّه ولا دليل عندهم على بطلانها ، وإنها لكبيرة أن يجادلوا في اللّه ، ولا يجادل في اللّه إلا من طبع على قلبه المتكبّر الجبّار . وينتهى كلام مؤمن آل فرعون ، فيغضب فرعون ، ويستنفر عامله ووزيره هامان ، أن يبنى له صرحا يطاول السماء ، ليصعده باحثا عن اللّه الذي يدعو إليه موسى ويزعم أنه يسكن السماء ، ولعله إن وجده قتله وخلّص منه الناس ، وهو كلام غث زيّنه له شيطانه فحسّن له الشرك ، وصدّ عن السبيل القويم ، وليس في كلامه وما دبّره إلا الخسران والضلال . واستأنف مؤمن فرعون دعوته للناس فقال :
يا قَوْمِ اتَّبِعُونِ أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشادِ
( 38 ) ( غافر ) ، وأركان دعوته : أولا أن السبل متعددة وأرشدها هو سبيله ، سبيل الرسل والإيمان ؛ ولكي يؤمنوا فعليهم ثانيا أن يعتقدوا أن الدنيا دار متاع ، والآخرة هي دار القرار ؛ وأن الحساب يوم القيامة بالجزاء على السيئات والحسنات ، فالمسيئون لهم النار ، والمحسنون لهم الجنة .
ويسألهم سؤال استنكار وتأنيب :
ما لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ ( 41 ) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ ما لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ
( 42 ) ( غافر ) . وقال : ما تدعونني إليه من الكفر ليس له أصل في الدنيا ولا في الآخرة ، ومآل الجبّارين والمتكبرين والطغاة هو النار ، وهنا يختتم دفاعه بأجمل ختام فقال :
فَسَتَذْكُرُونَ ما أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ
( غافر 44 ) . وكانت الآيتان :
فَوَقاهُ اللَّهُ سَيِّئاتِ ما مَكَرُوا وَحاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذابِ ( 45 ) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْها غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذابِ
( 46 ) ( غافر ) بمثابة الحاشية على القصة ، وفيها إعلام بمصيره كما أسلفنا ، ونجاته منهم ، وما حاق بآل فرعون من ذل العرض مرتين يوميا حتى يوم الساعة ، وعندها يكون العرض الأخير . والدرس المستفاد من القصة يأتي بعد ذلك توجزه الآيتان :
إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ
( 52 ) ( غافر ) ، ونصرهم في الدنيا بإعلاء حججهم وإفلاحها ، كما حدث مع موسى ، ومؤمن آل فرعون ، حتى ليذكرهما القرآن ويرتله الناس باسميهما ؛ ونصرهم في الآخرة بشهادة الشهود لهم ، وبطلان معذرة الظالمين ، ولعنتهم ، وإفرادهم بالجحود . والحمد للّه ربّ العالمين .
* * *