تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة القرآن العظيم — صفحة 1018

مساهمون:

ص١٠١٨
يسلموا من جشعه وأذاه . ونمط قارون هو نمط الرأسمالى الدائب على جمع المال ، وفي سبيل المال استخفّ قومه ، وتكبّر عليهم ، وكان يعمل للفرعون محتسبا على بني إسرائيل ، وهؤلاء كانوا يسكنون أرض جاسان من مصر ( محافظة الشرقية الآن ) . أقطعهم إياها من قديم يوسف ، وغزاها الأشوريون وحكموها باسم الهكسوس كما أسماهم المؤرخ العبراني مانيتو ، والهكسوس كانوا ملوكا رعاة ومحاربين ، وأطلقوا على أنفسهم اسم عماليق أو الجبابرة ، وأذاع العبرانيون اسمهم الفراعنة ، ككسرى والكياسرة ، وقيصر والقياصرة ، ولم يكن اسم الفرعون مصريا ، وما لقّب أحد من ملوك مصر باسم الفرعون ، وإنما انتشر الاسم بتأثير التوراة التي ورد بها ، وبلغ من غزو التوراة للفكر العالمي أن العالم صار يسمى ملوك مصر باسم الفراعنة ، وفسّر مفسّرو القرآن ، وقد تأثروا بالإسرائيليات ، الفرعون بأنه ملك مصر ، رغم أن هناك أكثر من دليل في القرآن على أن قصة موسى والفرعون لم تجر في أرض مصر وإنما في جاسان . وقارون كان من العبرانيين سكان جاسان . وقارون كان من العبرانيين سكان حاسان . وقال تعالى في ثرائه :
وَآتَيْناهُ مِنَ الْكُنُوزِ ما إِنَّ مَفاتِحَهُ لَتَنُوأُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ
( القصص 76 ) يعنى مفاتيح خزائن ماله من الكثرة حتى أن ثقلها لينوء بالعصبة أولى القوة ، فما بالك بالكنوز نفسها ؟ والعصبة عشرة كما في سورة يوسف في قوله تعالى :
وَنَحْنُ عُصْبَةٌ
( يوسف 8 ) ، وهم إخوة يوسف العشرة بدونه . وهذا المال الكثير كان يسعده كسعادة تشايلوك في مسرحية تاجر البندقية لشكسبير ، وجمع المال عند الجامع له ، اضطراب نفسي أكيد وليس مجرد عادة راسخة أو شطارة ، فالمال يشعره بتفوّقه ويشبع عقدة النقص فيه ، ولذا يسلك جامع المال أول ما يسلك ببطر وعجرفة ، والمال وجمعه يعطيانه ثقة ، ويجعلانه يعلو على الناس ويتكبّر ويزدريهم ، فلما تأذّى به قومه نصحوه أن لا ينسى اللّه الذي خلقه ، ولا يهمل أداء حق الناس فيما رزقه ، وكأنهم قالوا له إن المال مال اللّه وليس ماله ، وإنما رزق به اعتباطا وليس لذكائه ودرايته . وانبرى للدفاع عن نفسه ، ليثبت أنه جمع هذا المال بجهده وعرقه ، وبقدراته وفهمه لأصول التجارة ، وبطرق إدارة الأعمال والتعامل مع الناس ، ووقف قارون في جانب وسواد الناس في الجانب الآخر ، وقارون يصرّ على أن المال ماله ولا حقّ للّه وللناس في شئ منه ، وما كان يرى الإحسان ولا الزكاة ولا الصدقة ، ويعتبرها طرق احتيال يحتال بها أهل الدين ليعطوا الفقراء الخاملين مالا لم يجمعوه ، وما درى أن ما به هو غرور العظمة ، وأن التاريخ فيه من أمثاله كثيرون ، كانوا أشد منه ذكاء ، وأكثر جمعا ، ولو كان قارون حقا قد جمع هذا المال لخصائص فيه لاستطاع أن يحافظ عليه بمواهبه ، ولكن اللّه يوزّع الثروات في الكون كيف يشاء وله حكمته . وقد غضب اللّه على من سبقوا