833 . موسى أمر قومه أن يصلوا في البيوت
زاد فرعون من تعذيب بني إسرائيل لمّا أظهر موسى ، دعوته ، فعابوا عليه المشقة التي يعانونها بسببه وهو الذي جاء ليخلّصهم ، وكان فرعون وقومه يعرفون الإسرائيليين من سواهم بمعابدهم التي بنوها لصلواتهم ، وكانوا يهاجمون تلك المعابد ويقبضون على الأقوياء منهم للعمل عندهم ، وفي ذلك يقول اللّه تعالى :
وَأَوْحَيْنا إِلى مُوسى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّءا لِقَوْمِكُما بِمِصْرَ بُيُوتاً وَاجْعَلُوا بُيُوتَكُمْ قِبْلَةً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ
( 87 ) ( يونس ) ، ومصر في هذه الآية هي أرض جاسان - أي محافظة الشرقية الآن ، باعتبار إطلاق الكل على الجزء ، وأمر موسى وهارون بني إسرائيل ، بناء على وحى من اللّه ، أن يتخذوا من بيوتهم مساجد ، وأن يجعلوها إلى القبلة - أي في اتجاه الشرق ، فقد كان الساميون جميعا يتوجهون في الصلاة إلى المشرق أينما كانوا ، والمراد أن يصلوا في بيوتهم سرا ليأمنوا على أنفسهم ، وفقه ذلك : أن الصلاة تكون في المساجد ، فإذا خاف الناس مظالم الطاغية وجبروت عسكره ، فلهم أن يصلّوا في البيوت . والمسلم له أن يصلى أينما كان ، وفي الحديث : « جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا » ، فخصّ بذلك المسلمون ، ربما لحالات كهذه ، ومن فقه هذه الآية : أن الخائف على نفسه يعذر بخوفه ، ويجوز له ترك الجماعة والجمعة ، وكثير من المسلمين يفعلون ذلك الآن في بلاد الإسلام وفي غير بلاد الإسلام ، فلقد صار الخوف من السلطان الجائر في بلاد الإسلام أكثر منه في غير بلاد الإسلام .
* * *
834 . الفرعون دائم الاستخفاف بقومه
الفرعون - كما عرفنا - هو الجبّار ، وهو لغة المستعمرين الهكسوس أطلقت خطأ على كل ملوك مصر ، والقرآن يقصد بالفرعون حكام أرض جاسان - أي محافظة الشرقية الآن من الملوك الرعاة . والمرادف للفرعون هو الطاغية ، من الطاغوت والطغيان ، ومن علامات الطغاة استخفافهم بأقوامهم ، يقول تعالى :
فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطاعُوهُ إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ
( 54 ) ( الزخرف ) ، يعنى استجهلهم ، فأطاعوه لجهلهم ، وقلة درايتهم . يقال : استخفّه الفرح ، أي حمله على إثبات أفعال الجاهلين ، ولم يكن عبثا أن كتب توفيق الحكيم « عودة الوعي » ، يقصد أن الطاغية من شأن جهازه الدعائى أن يغيّب عقول الناس ويستسهل ذلك لأميّتهم وانحطاط ثقافاتهم وأحوالهم المعيشية ، فإن أردت يا أخي أو يا أختي ، أن تتعرّف إلى نوع نظام الحكم في بلدك ، فانظر كيف يتصرّف حاكمه في أهله ، وكيف يسلكون إزاء جبروته وصلفه واستبداده ، وما إذا كانوا يصدّقون دعاواه دائما ولا يعارضونها أبدا . وقيل