المؤمنون الّذين يستيقظون في أعماق اللّيل متقرّبين لخالقهم بالدّعاء والصّلاة ، قال تعالى في سورة الفرقان :
وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً
[ الفرقان : 64 ] . وقال تعالى مرغّبا في التّهجّد في سورة المزّمّل :
إِنَّ ناشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئاً وَأَقْوَمُ قِيلًا
. [ المزمل : 6 ] .
وناشئة اللّيل هي القيام بعد النّوم .
4 - من الثّابت علميا أنّ أعلى نسبة للكورتزون في الدّم هي وقت الصّباح حيث تبلغ ( 7 - 22 ) مكروغرام / 100 مل بلاسما ، ومن المعروف أنّ الكورتزون هو المادّة السّحرية التي تزوّد فعاليات الجسم بالطّاقة اللّازمة له .
وإذا ما أضفنا هذه الفوائد إلى تلك التي بيّناها عند الحديث عن الصّلاة والوضوء نجد أنّ المسلم الملتزم بتعاليم القرآن ، هو إنسان فريد بالفعل ، حيث يستيقظ باكرا ويستقبل اليوم الجديد بجدّ ونشاط ويباشر أعماله اليوميّة في السّاعات الأولى من النّهار ، حيث تكون إمكاناته الذّهنيّة والنّفسيّة والعضليّة على أعلى مستوى ، ممّا يؤدّي لمضاعفة الإنتاج .
كلّ ذلك في عالم ملؤه الصّفاء والسّرور والانشراح ولو تصوّرنا أنّ ذلك الإلزام أخذ طابعا جماعيا فسيغدو المجتمع المسلم ، مجتمعا مميّزا فريدا وأهمّ ما يميّزه هو أنّ الحياة تدبّ فيه منذ الفجر .
وفي الحديث الصحيح الذي رواه البخاري ومسلم ، عن أبي هريرة رضي اللّه عنه أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « يعقد الشّيطان على قافية رأس أحدكم إذا هو نام ثلاث عقد ، يضرب كلّ عقدة عليك ليل طويل فارقد ، فإن استيقظ فذكر اللّه انحلّت عقدة ، فإن توضّأ انحلّت عقدة ، فإن صلّى انحلّت عقدة ، فأصبح نشيطا طيّب النّفس وإلّا أصبح خبيث النّفس كسلان » .
ولعلّنا لا نحتاج إلى دليل علميّ على حديث رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وحسبنا دليلا أن نسأل رجلين أحدهما استيقظ باكرا وصلّى الفجر ، والآخر نام إلى ما بعد شروق الشّمس ، كيف أنّ الذي صلّى الفجر سيشعر بالنّشاط والسّعادة طيلة يومه ، والآخر سيكون عكس ذلك تماما . اللّهمّ عافنا في ديننا وأبداننا ، واجعل يا ربّنا الجنّة مسكننا ومأوانا .
[ أبحاث الدكتور إبراهيم الراوي في « مجلة الحضارة » العددان 6 - 10 بتصرف ] .