الهواء الفاسد ، وقد بقيت مستخدمة حاليّا بوصفها مصطلحا تاريخيّا يعكس الاعتقاد الخاطئ بأنّ المرض ينتقل إلى الإنسان عن طريق الهواء الفاسد قبل أن يعرف دور البعوضة في نقل الطفيليات المجهرية التي تسببه ، ولذا عندما يستنكر القرآن الكريم الاستهانة بالبعوضة دالًّا على خطرها ، ويشرك ما فوقها ضآلة معها في الحكم فإنّه يسبق عصر المعرفة العلمية بأكثر من عشرة قرون ، ويعلن أنّه وحده كلمة اللّه الباقية للأمم ، خاصّة وأن دلالته العلمية تلك لا توجد في أيّة مدونة اليوم تنسب للوحي .
ومن عجيب البيان القرآني المعجز العدول باللفظ « بعوضة » والضمير « فوقها » إلى الإفراد والتأنيث بدلا عن تغليب الذّكر أو التعبير بالجمع الدال على تماثل الجنسين في الوصف ، والحقيقة الراسخة أن أنثى البعوض وحدها هي التي تتغذى على الدّم ، وتنقل الأمراض وليس للذّكر أجزاء فمّيّة ثاقبة للجلد ، وهكذا يعدل القرآن باللفظ إلى صيغة تتفق مع الواقع قبل أن يكشفها الزّمان وتعاينها الأجيال ، ونفي الاستحياء بدلا من الإثبات لبيان أهمية البعوضة وما يماثلها يتضمن استنكار الاستهانة بها وبيان الجهل بخطرها عند التنزيل .
وتعدد الأنواع يفيده ورود « بعوضة » بالتنكير ، و « ما » الإبهامية مرتين لوصف ما دونها فضلا عما يكبرها من كائنات مؤذية أو ناقلة للمرض ، وأنواع البعوض والكائنات الدقيقة تتمايز في أشكالها وعاداتها وكذلك في أسلحتها التخصصية التي تتحدى بها الإنسان وتهاجم بها الحيوان حيث يسبب النّوع الواحد أنواعا محددة من الأمراض لضحايا محددة ، وما أشبه الصراع مع كائن ضئيل بمعركة كتبت لجنوده فيها الغلبة على الدوام فكانت تحديا أبديا لغرور الإنسان وكبريائه ومثالا صارخا على قدرة اللّه المعجزة وعنايته بالخلق مهما بلغت ضآلته ، وهكذا فإنّ تحدّي القرآن الكريم البشر ببعوضة ضئيلة وما يفوقها ضآلة من كائنات دقيقة . . آية على علم اللّه المحيط ، وبيّنة على التّنزيل ، وما أعظم الصّدق وأروع بيان العلم بخفايا التكوين في قوله تعالى :
وَما يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَما هِيَ إِلَّا ذِكْرى لِلْبَشَرِ
[ المدثر : 31 ] .
وإنّ الإنسان لو تيقظ حقّ التّيقظ إلى أنّ البعوضة وكلّ ذرة من ذرات الكون تقدّس اللّه تعالى وتنزهه ، وتشهد بجلاله وكبريائه وقهره ، وعمّر خاطره بهذا الفهم لشغله ذلك عن