تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 183

مساهمون:

ص١٨٣
« كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ ، لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ ، ثُمَّ لَتَرَوُنَّها عَيْنَ الْيَقِينِ »
« 1 » . وقد علق الأستاذ الإمام محمد عبده على الآية الأولى بقوله : « جرت سنة الغافلين إذا نبّهوا ، والذاهلين إذا ذكّروا بعواقب ما هم فيه ، أن يحدّثوا أنفسهم بأنهم يعلمون ذلك ، وأنهم يفعلون ما يفعلون عن يقظة وارشاد بصيرة ، وأنهم محيطون بما ينشأ عن فعالهم ، ويسلّون أنفسهم بذلك ليستمروا في لهوهم . فحارب الله هذه الهواجس ، وقاتل هذه الخواطر بقوله :
« كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ » .
أي ارتدعوا عن تغريريكم بأنفسكم ، بدعوى أنكم تعلمون عاقبة ما أنتم فيه من اللهو بالتكاثر ، فان هذا الذي تسمونه علما ليس على الحقيقة بعلم ، وانما هو وهم وظن ، لا يلبث أن يتغير مهما استحكم عقده من قلوبكم ، لأنه لا يطابق واقعا . والجدير بأن يسمى علما هو علم اليقين ، أي العلم الذي هو من أفراد اليقين . واليقين هو الاعتقاد الذي يطابق الواقع عن عيان أو دليل صحيح ، مقدماته بديهية أو منتهية إلى البديهيات ، بحيث يستحيل تغيره . والنفس إذا ملكت هذا النوع من العلم ملكا هو ارادتها ، وعاد المصرّف لها في شؤونها . فلو تعلمون هذا العلم لرفعكم عن هذا التكاثر ، ودفعكم إلى السعي فيما تصلح به ظواهركم ، وتخلص به لله سرائركم ، وتتحد به في تأييد الحق هممكم ، لأن التحقق من سوء العاقبة ينأى بالنفس عما يفضي إليها ، ويدفعها إلى طلب ما هو أحسن منها » .
هامش
( 1 ) سورة التكاثر ، الآيات 5 - 7 .
موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 183 | أحمد الشرباصي