تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 263

مساهمون:

ص٢٦٣
وإذا كان خفض الصوت أمرا محبوبا وخلقا كريما ، إذا كان المتحدث يحدث من يحترمه أو يعزه أو يجله ، فان هذا الخلق يلزم أن يأتي على كماله وتمامه إذا كان الخطاب موجها إلى رسول اللّه خير الانسانية عليه الصلاة والسّلام ، ولذلك نرى القرآن الكريم يقول في سورة الحجرات :
« يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْواتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ، وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ ، إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْواتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوى ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ »
. ثم عاب القرآن عقب ذلك مباشرة على طائفة من الناس لم تغض صوتها وهي تخاطب رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه ، فقال :
« إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ مِنْ وَراءِ الْحُجُراتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ ، وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكانَ خَيْراً لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ »
. وكانت هذه الآيات درسا أي درس ، ليتعلم الناس من حول الرسول أن يغضوا أصواتهم عند خطابه ، لان رفع الصوت يدل على قلة الاحتشام وترك الاحترام ، وها هو ذا الآلوسي يقول عند حديثه على هذا الدرس : « المعنى نهيهم عما كانوا عليه من الجلبة ، واستجفاؤهم فيما كانوا يفعلون ، هو نظير قوله تعالى :
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا الرِّبَوا أَضْعافاً مُضاعَفَةً )
.
( وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ )
أي جهرا كائنا كالجهر الجاري فيما بينكم ، فالأول نهي عن رفع الصوت فوق صوته صلّى اللّه تعالى عليه وسلم ، وهذا نهي عن مساواة جهرهم لجهره عليه الصلاة والسّلام ، فإنه المعتاد في مخاطبة الأقران والنظراء بعضهم لبعض ، ويفهم من ذلك وجوب الغض ، حتى تكون أصواتهم دون صوته صلّى اللّه تعالى عليه وسلم . وقيل : الأول مخصوص بمكالمته صلّى اللّه تعالى عليه وسلم لهم ، وهذا بصمته عليه الصلاة والسّلام ، كأنه قيل : لا ترفعوا أصواتكم فوق