تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 262

مساهمون:

ص٢٦٢
وخفض الصوت مظهر لأدب النفس وعنوان على ثقة الانسان بما يقوله أو يذكره ، فهو مطمئن إلى صدق كلامه ، ولذلك لا يحتاج إلى استعانة برفع الصوت كأنه يصارع أو يشاجر ، وهذا الخفض يدل في الوقت نفسه على احترام المتكلم للسامع الذي يخاطبه ، ومن هنا كان خفض الصوت لائقا بمواقف العبادة كالصلاة ، حيث يقول القرآن في سورة الإسراء :
« وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ ، وَلا تُخافِتْ بِها ، وَابْتَغِ بَيْنَ ذلِكَ سَبِيلًا »
. وكذلك موقف الدعاء ، إذ ينبغي أن يكون الدعاء بين الجهر والمخافتة ، لان انخفاض الصوت بالدعاء يكون معوانا على الخشوع والصفاء ، ولذلك قال القرآن :
« ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً »
، وقال عن نبي اللّه زكريا :
« إِذْ نادى رَبَّهُ نِداءً خَفِيًّا »
، ولقد ذكر الإمام ابن القيم أن خفض الصوت بالدعاء يكون أدل على الايمان ، إذ يفهم الداعي حينئذ ان اللّه سميع للدعاء مهما كان خفيا ، وكذلك يدل على الأدب من العبد وحسن تعظيمه لله ، ويكون أبلغ في التضرع والرجاء والاخلاص ، ويكون معوانا على جمع القلب على اللّه تعالى في الدعاء ، لان رفع الصوت يؤدي إلى التشتت والتفرق ، ويكون أيضا رمزا إلى قرب صاحبه من ربه ، وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره ، يسأله سؤال أقرب شيء اليه ، فيسأله مسألة القريب للقريب ، لا مسألة نداء البعيد للبعيد ، وكذلك يكون أدعى إلى اتصال السؤال ودوام الطلب ، لان اللسان مع خفض الصوت لا يمل ، والجوارح لا تتعب ، بخلاف ما لو رفع صوته . ولقد جاء في السنة أن رسول اللّه صلوات اللّه وسلامه عليه سمع أناسا يجهرون بالتكبير ، فقال لهم : « اربعوا على أنفسكم - أي ترفقوا بها - فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا ، انكم تدعون سميعا بصيرا ، والذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته » .