تخطي إلى المحتوى الرئيسي

موسوعة اخلاق القرآن — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
افرط ، والآخر فرّط ، وذلك - كما عبر التفسير بعبارته الواسعة المبسوطة ان الناس كانوا قبل ظهور الاسلام على قسمين : قسم تقضي عليه تقاليده بالمادية المحضة ، فلا هم له الا الحظوظ الجسدية ، كاليهود والمشركين ، وقسم تحكم عليه تقاليده بالروحانية الخالصة ، وهجر الدنيا ، وترك ما فيها من اللذات الجسمية ، كالنصارى والصابئين وطوائف من الوثنيين في الهند أصحاب الرياضات . واما الأمة الاسلامية فقد جمع اللّه لها في دينها بين الحقين : حق الروح وحق البدن ، فهي أمة مادية روحية ، فقد أعطاها دينها جميع حقوق الانسانية ، لان الانسان جسم وروح ، فكأن الآية الكريمة تقول : جعلناكم أمة وسطا ، تعرفون الحقين ، وتبلغون الكمالين ، لتكونوا شهداء بالحق على الناس الماديين بما فرطوا في جنب الدين ، والروحانيين بما أفرطوا وكانوا من الغالين : تشهدون على المفرطين بالتعطيل القائلين :
« ما هِيَ إِلَّا حَياتُنَا الدُّنْيا نَمُوتُ وَنَحْيا ، وَما يُهْلِكُنا إِلَّا الدَّهْرُ »
« 1 » بأنهم أخلدوا إلى البهيمية ، وقضوا على استعدادهم بالحرمان من المزايا الروحية ، وتشهدون على المفرطين بالغلو في الدين القائلين : ان هذا الوجود حبس للأرواح وعقوبة لها ، فعلينا ان نتخلص منه بالتخلي عن جميع اللذات الجسمانية ، وبتعذيب الجسد ، وهضم حقوق النفس ، وحرمانها من جميع ما أعده اللّه لها في هذه الحياة . تشهدون عليهم بأنهم خرجوا عن طريق الاعتدال ، وجنوا على أرواحهم بجنايتهم على أجسادهم وقواها الحيوية ، تشهدون على هؤلاء وهؤلاء ، وتسبقون الأمم كلها باعتدالكم وتوسطكم في الأمور كلها ، لان الاسلام الذي هداكم اللّه اليه وحباكم به فيه الكمال الانساني الذي
هامش
( 1 ) سورة الجاثية ، الآية 24 .