تخطي إلى المحتوى الرئيسي

من علم الطب القرآني — صفحة 230

مساهمون:

ص٢٣٠
والمجتمع إلا بالوازع الديني . فالقوانين الوضعيّة والإرشادات والإنذارات الصحيّة لم ولن تتوصّل إلا إلى النزر اليسير مما حقّقه ويحقّقه الوازع الديني ، عنينا به التحريم للموقنين . إن الإسلام هو العلاج الوحيد الذي يستطيع أن ينقذ الإنسانيّة المعذّبة والضائعة من المشاكل الاجتماعيّة والنفسيّة والاقتصاديّة التي تتخبّط فيها . وتجربة الولايات المتّحدة الأميركيّة الفاشلة ( التي منعت الخمرة بواسطة قوانين صارمة جدّا من سنة 1920 إلى 1933 ، ثم ما لبثت أن تراجعت عنها أمام التأكّد من عدم جدواها ) ، هي أصدق شاهد . وأمّا في المجتمع الإسلامي فقد حطّمت خوابي الخمرة عند سماع المؤمنين بأنها قد حرمت نهائيّا . هذا هو الفرق في تأثير وفعّاليّة القوانين الإلهية والوازع الديني عند الفرد الملتزم ، وفعّاليّة القوانين الوضعيّة ، ومقدار التزام النفس الإنسانيّة بها .

حكمة التدرّج في تحريم الخمرة :

كلّ تشريع سماوي حقّ هو في جوهره لوقاية الأفراد والمجتمعات وسعادتها . وعندما شرع الإسلام تحريم الخمرة ، شرع تحريمها تدريجيّا من دافع المعرفة الإلهية بحقيقة النفس الإنسانيّة . من هنا كان التدرّج في نزول الآيات الكريمة التي بيّنت مضارّ الخمرة أوّلا ، ثم حرّمتها بين أوّل آية نزلت في الخمرة وهي مكّية - وقد أشارت إلى ميزات الخمرة التي تسكر العقل وتخمره فقال تعالى :
وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ
( النحل 67 ) - والآية التي نزلت بعدها وهي مدنية ، ونصّها التالي :
يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُما أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِما
( البقرة 219 ) . ومن سأل عن الخمرة جاءه الجواب ، ففهم منه بعضهم أنها محرّمة ضمنا لأنها إثم ، استنادا إلى الآية الكريمة :
قُلْ إِنَّما حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها وَما بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ
( الأعراف 33 ) . كما أن بعضهم الآخر رأى في الآية ذمّا في الخمرة فخفّف منها ( ولا ندخل هنا في نقاش الفقهاء والمفسّرين ، إذ إن لكلّ آية من المتشابه وجوها ) . ثم نزل قوله تعالى :
يا أَيُّهَا