كونها للاستغراق ، وتفيد الناس المعهودين الذين يعرفهم الرسول ، وهم كانوا من المسلمين .
فقد تبلور من جميع ذلك بأنّ الآية الكريمة تخبرنا بنزول حكم ودستور عظيم من جانب اللّه تعالى ، وكان قبوله صعبا على أناس من صحابته ، بحيث كانوا يمنعونه عن التبليغ ، حيث يرون ذلك الحكم معارضا لمصالحهم ، وكان النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يعرف ذلك ، فكان ينتظر فرصة ، ويترصّد ساعة يستطيع فيها تبليغ ذلك الحكم .
كما تبيّن أنّ الحكم كان سياسيّا دنيويّا ، وإلّا ما كان معارضا لمصالح أناس ، فقد جاء الأمر من اللّه بتبليغه مشتملا على التهديد ، بأنّه لو لم يفعل لما بلّغ رسالته ، وكان الخطاب محتويا لوعد بأنّ اللّه يعصمه من الناس .
فقام الرسول صلّى اللّه عليه وآله بتبليغ ذلك الحكم ، ولم يؤخّر ، وكان ذلك في يوم الغدير ، ومن المعلوم أنّ نصّ يوم الغدير نصّ قطعيّ لا ريب في ثبوته ، رواه أكثر من مائه صحابي ، فقد بلغ حدّ التواتر في جميع القرون الإسلامية . وقد سمعت اهتمام اللّه تعالى بالدستور الذي أوحى إلى رسوله ، فأفاد صلّى اللّه عليه وآله به وبلّغ ، وإليك التفصيل :
كان اليوم قائضا ، شديد الحرّ ، والنبيّ صلّى اللّه عليه وآله نازل في غدير خمّ ، راجع من حجّة الوداع ، ووفود الحجّ الزاخرة في عرض الصحراء توشك أن تتفرّق إلى مذاهبها ، كلّ جمع إلى داره ووطنه .
هناك اندفع صوت مؤذّن النبيّ صلّى اللّه عليه وآله يدعو الناس من سبلهم المتفرّقة إلى درجات الغدير ، فاجتمع الناس من هنا ومن هناك ، جموعا تزحم الرحب الفسيح . فوصل من تأخّر عن الركب ، ورجع من تقدّم ، فصلّى بهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله صلاة الظهر ، ثمّ صنع له منبر من أحداج الإبل رقاه النبيّ صلّى اللّه عليه وآله ، وعليّ دونه بمرقاة على استشراف العيون ، وإرهاف الأسماع ، وتتابع الأعناق .
فبدأ النبيّ صلّى اللّه عليه وآله بالخطبة بصوته السماويّ الحنون : يا أيّها الناس ، إنّي يوشك أن ادعى فأجيب ، وإنّي مسؤول وإنّكم مسؤولون ، فما ذا أنتم قائلون ؟ قالوا : نشهد أنّك بلّغت وجاهدت ونصحت ، فجزاك اللّه خيرا .
محمد ( ص ) في القرآن — صفحة 242
مساهمون: السيد رضا الصدر
ص٢٤٢